نور الأمل سراج لا ينطفئ
18 جمادى الأول 1443
إبراهيم الحاج محمد الهيتي

الحمد لله مستحق الحمد، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رافع لواء المجد.

الأمل:

رجاء وتعلق للقلب بحصول محبوب، وهو محصلة ثقة العبد بربه، حيث جعله الله علامة للإيمان وصلاح العمل، والأمل هو الإيمان ويعني الثقة بالله وهو عكس اليأس فاليأس هو الكفر ويعني فقدان الثقة بالله، والأمل انشراحُ النفس وقت الضيق والأزمات وهو للمؤمن شعاع يضيء له الظلمات ويهديه سواء السبيل.

الأمل من أخلاق الأنبياء:

1-    عند رسول الله صلى الله عليه وسلم: في هدايته لقومه بقوله لجبريل عليه السلام "أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده"، وقوله صلى الله عليه وسلم: "حسن الظن من حسن العبادة".

2-    وعند نوح عليه السلام: كان يدعو قومه للإيمان ألف سنة إلا خمسين عاماً دون ملل أو ضجر بل كان يدعوهم بالليل والنهار.. في السر والعلن.

3-    وأمل يعقوب عليه السلام: حيث فقد ولديه يوسف وبنيامين، فحزن حتى فقد بصره، لكنه ظل صابراً بقضاء الله ولم ييأس.

4-    وأمل موسى عليه السلام: بأن ظهر له الأمل والثقة المطلقة في نصر الله بصورة جلية ويقين {إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الشعراء:62].

5-    وأمل أيوب عليه السلام: في نفسه وماله وولده.. إلا أنه لم يفقد الأمل في أن يرفع الله الضر عنه، فحقق رجاءه في إعادة المال والولد وشفاه الله وعافاه.

سؤال في الأمل:

-    ما الذي يدفع طالب العلم إلى الجد والمثابرة؟ إنه الأمل بالنجاح.
-    وما الذي يدفع المزارع إلى الكد والكدح؟ إنه الأمل بالحصاد.
-    وما الذي يحفز المقاتل على الاستبسال؟ إنه الأمل بالنصر.
-    وما الذي يحبب مُرَّ الدواء إلى المريض؟ إنه الأمل بالشفاء.
-    وما الذي يدفع الداعية إلى الثبات؟ إنه الأمل بانتصار الدعوة.

الإيمان باعث للأمل:

           نعم الإيمان يبعث في النفس الأمل، ويدفع عنها اليأس فالمؤمن يرى أن الأمر كله لله، فيحسن الظن به "أنا عند ظن عبدي بي إن ظنَّ خيراً فله، وإن ظن شراً فله".

            أمل بالحياة بعد الموت يزرع الطمأنينة والتطلع لحياة أفضل {وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى} [الضحى:4]، وكيف يتسلل اليأس إلى قلب رجل يتلو قول ربه: {وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف:87]، وكيف يتمكن منه القنوط وهو يقرأ {وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ} [الحجر:56]. وإن ما يميز المؤمن عمن سواه، أنه لا يقف على ظاهر الأسباب، بل يوقن أن لها خالقاً ومسبباً إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون.

مهما دجى الليل فالتاريخ أنبأني *** أن النهار بأحشاء الدجى يثب

نحن أمة الأمل والعمل:

الأمل يدفع الإنسان دائماً إلى العمل ولولا الأمل لامتنع الإنسان عن مواصلة الحياة وقيل لا يأس مع الحياة ولا حياة مع اليأس ولقد كتب الله لهذه الأمة الرفعة والسناء والظهور على الأعداء، فعندما كان أصحاب الرسول يوم الخندق أحدهم لا يستطيع الخروج لقضاء حاجته كان صلى الله عليه وسلم يعدهم كنوز كسرى وقصور قيصر {وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا} [الأحزاب:25].

النصر مع الصبر والأمل:

{وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران:139]. ورد في التفسير: لا تهنوا لما أصابكم فأنتم الأعلون.. عقيدتكم أعلى من عقيدتهم، فأنتم تسجدون لله وهم يسجدون لشيء من خلقه ومنهجكم أعلى من منهجهم، فأنتم تسيرون على منهج من صنع الله وهم على منهج من صنع البشر، وستكون لكم العقبى بعد الصبر والتمحيص {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} [غافر:51].

الحياة مع الأمل:

فلا تحزن أخي الحبيب إنْ فاتك حظ من حطام الدنيا فالله جل جلاله وعَمَّ نواله يُعطي الدنيا للمؤمن والكافر لكنه لا يعطي الآخرة إلا للمؤمن.. أفلا ترضى أن تكون لهم الدنيا وتكون لنا الآخرة؟ علينا أن لا نقف كثيراً على الأطلال.. وأن نبحث عن صوت عصفور يتسلل من وراء الأفق مع ضوء صباح جديد.. وإذا حاصر الشتاء أبواب بيتك، فاحلم بشمس مضيئةٍ في غدٍ جميل.. وإن كان الأمس قد ضاع.. فبين يديك اليوم.. وإن كان اليوم قد استعدَّ للرحيل.. فلديك الغد.. عش في يومك هذا سعيداً ربما اليوم الذي يليه أسعد ولكي لا تفقد سعادة اليوم وسعادة الغد.. فالأمل إكسير الحياة ودافع نشاطها، وباعث البهجة والسرور فيها.

أُعلِّلُ النفس بالآمال أرقُبها *** ما أضيقَ العيش لولا فُسحَة الأملِ