ما الذي تحتاجه "حلب" الآن ؟!
8 ربيع الأول 1438
د. زياد الشامي

 

ليست حلب وحدها التي تمر اليوم بمرحلة خطيرة للغاية , بعد تقدم قوات النظام النصيري بأحيائها الشرقية الخاضعة لسيطرة الثوار منذ أعوام , وبعد الأنباء التي تشير إلى توغل مليشيا إيران واحتلالها لحوالي نصف ما كانت تسيطر عليه المقاومة السورية هناك , حتى باتت حلب الشرقية نصفين شمالي سقط بيد طاغية الشام , وجنوبي ما زال الثوار ينافحون ويدافعون عنه بكل ما آتاهم الله من قوة ......

 

 

بل ثورة الشعب السوري كلها , وانتفاضته العظيمة على النظام النصيري وأسياده من الرافضة والروس , ومواجهته لأخطر مشروع صفوي مدعوم غربيا ودوليا .... هي أيضا تمر بأخطر مراحلها من حوالي ستة أعوام , بعد أن تكالب عليها الأعداء لإجهاضها وإخماد جذوة الصوت السني المقاوم في المنطقة .

 

 

لا يمكن لأحد أن ينكر أن القصف الهمجي الهستيري الذي تعرضت له المناطق التي يسيطر عليها الثوار في مدينة حلب وريفها كانت العامل الأبرز في سقوط بعض الأحياء والمناطق من الثوار بيد الطاغية , كما أن سياسة الأرض المحروقة التي انتهجتها روسيا بآلتها العسكرية الضخمة ضد الحجر والشجر والبشر في حلب الشرقية ساهمت في التمهيد لهذه النتيجة المؤلمة , دون أن نغفل دور التواطؤ الدولي والأممي الذي لم يعد يستحي من الكشف عن وجهه القبيح المعادي لثورة أهل الشام .

 

 

إلا أن كل ما سبق لا يعني أن اللائمة في سقوط نصف مناطق الثوار في حلب الشرقية بيد الطاغية تنحصر في الأسباب الخارجية , فهناك أسباب إقليمية وداخلية ساهمت أيضا في هذا السقوط , لعل أبرزها : تخاذل الدول العربية والإسلامية السنية عن نصرة حلب والدفاع عنها كما ينبغي ماديا ومعنويا , والتقصير الكبير في دعم الثوار على الأرض بما يمكنهم من مواجهة أعدائهم الكثر المدججين بأحدث الأسلحة وأكثرها فتكا , دون أن ننسى استمرار حالة الفرقة والخلاف بين مقاتلي الفصائل هناك , وعدم نجاحهم في تشكيل كيان موحد يواجه التحديات العظيمة المحيطة بالثورة السورية وحلب تحديدا .

 

 

ليس ما سبق إلا وصف وتحليل لأسباب ما جرى ويجري في حلب مؤخرا , فمن المعلوم أن حلب اليوم لا تحتاج أبدا إلى خطاب التلاوم وتبادل الاتهامات , كما لا تحتمل لغة التيئيس و نشر ثقافة الإحباط والتشاؤم التي لا تخفى نتائجها الكارثية في زمن المعارك والحروب على أحد.... وإنما تحتاج إلى أدراك أسباب ما حصل , وتدارك ما يمكن تداركه لامتصاص الصدمة والهجمة الشرسة الحالية أولا , وامتلاك زمام المبادرة لاستئناف القتال والمواجهة على أسس صحيحة لاحقا .

 

 

كان واضحا منذ البداية أ روسيا - كما النظام النصيري وإيران – لا تفرق بين ثائر سوري وآخر , ولا تؤمن بوجود فصائل سورية مسلحة معتدلة وأخرى غير معتدلة , بل تعتقد أن كل من يحمل السلاح ضد نظام الطاغية "إرهابي" , وقد ظهر ذلك جليا منذ بدايات العدوان العسكري الروسي على الشعب السوري في سبتمبر من العام الماضي , حيث اعتبر "بوتين" أن كل معارض للنظام السوري هو "إرهابي" .

 

 

أما تصريحات المسؤولين الأمريكيين والغربيين عن وجود فصائل مسلحة "معتدلة" في سورية وأخرى "إرهابية" فما هي إلا خديعة للقضاء على الجميع لاحقا , ويبدو ذلك جليا في تهديد "لافروف" الأخير كل من يرفض الخروج من حلب الشرقية من المسلحين بالقتل باعتباره "إرهابي" حسب وصفه , ونقله عن وزير خارجية أمريكا "كيري" موافقته على خروج جميع المقاتلين من حلب الشرقية .

 

 

اما صبي روسيا وإيران بدمشق فلا حاجة لإثبات عدم تفريقه - من حيث العداء والتنكيل - بين من تجرأ و خرج ضده في المظاهرات وإن لم يحمل السلاح أو يقاتل في صفوف الثوار , وبين من حمل السلاح وقاتل ضده تحت أي راية أو اسم , سواء كانت راية "فتح الشام" أو "الأحرار" أو "جيش الإسلام" أو "الجيش الحر" أو .......

 

 

فها هو يخرج من جديد من جحره بدمشق ليتباهى بانتصاره المزعوم في حلب , معتبرا أن كل من يحمل السلاح ضده في سورية هو "إرهابي" , ففي لقاء مع صحيفة الوطن البعثية المحلية قال : "صحيح أن معركة حلب ستكون ربحا ، لكن لكي نكون واقعيين لا تعني نهاية الحرب في سوريا"، وأضاف أن "الحرب لا تنتهي "إلا بعد القضاء على الإرهاب تماما، فالإرهابيون موجودون في مناطق أخرى" حسب وصفه .

 

 

ومن هنا فمن المخجل بعد كل تلك التصريحات العدائية التي لا تفرق بين فصيل مقاوم وآخر ...أن تبقى بعض فصائل الثورة السورية متمسكة برياتها المختلفة , متعصبة لأجندتها وأسمائها .

 

 

إن أول ما تحتاجه حلب الآن هو : اجتماع كلمة الثوار وتوحد فصائلهم واندماجهم تحت راية واحدة وقيادة واحدة , اجتماع وتوّحد حقيقي لا شكلي , واندماج فعلي لا وهمي و اسمي فحسب , فمن المعلوم أن هذه الخطوة هي مفتاح نزول النصر الإلهي على المجاهدين الصادقين , والسبيل الوحيد لمواجهة تكالب الأعداء و كثرة المؤامرات , فالاختلاف والتنازع سبب الفشل والهزيمة بنص قوله سبحانه و تعالى : { وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } الأنفال/46

 

 

كما تحتاج حلب الآن إلى مزيد من الدعم العربي والإسلامي على مستوى الحكومات تزويدا بالعتاد والسلاح اللازم للمواجهة , وعلى مستوى الشعوب تضامنا و رفضا للمجازر المرتكبة ضد أهلها كوسيلة للضغط على المجتمع الدولي المتآمر على ثورة الياسمين , فمن المعلوم أن الثورة السورية باتت اليوم الباب الموصود في وجه التوسع الرافضي واستكمال مشروعها الصفوي في المنطقة , فإذا ما كُسر هذا الباب وأُجهضت المقاومة هناك – لا قدر الله - فإن نار الحروب والمعارك ستنتقل إلى دول الجوار بلا شك .  

 

10 + 7 =