25 جمادى الأول 1438

السؤال

السلام عليكم.. أنا شاب في السنة النهائية من دراستي اختصاص تخدير وإنعاش، عشت طفولة أراها صعبة ويراها من لا يعرفني نعمة فكنت ذلك الولد قليل الكلام حسن الهندام والسلوك كثير التخلق والطاعة لكن ذلك كان لصعوبة تعامل أمي معي هداها الله.

فكنت أقول الكلمة في غير محلها فتضربني وكانت تنهرني بشدة أمام الناس بل كان أبناء عمومتي في سني يلعبون بحرية لكنني كنت الوحيد الذي ما إن أغضب أحدا أو يشتكي مني أحد حتى تبرحني أمي رعاها الله ضربا مبرحا أمامهم وأمام الكل بحجة أنها تربيني وتريدني دوما ذاك الفتى الذي لا يخطئ.

وكم هي أليمة مشاهد الضرب التي تمر في نفسي الآن وأنا أكتب وأعاهد نفسي أن لا أصنعها مع أبنائي إن كتب الله لي...

المفيد أنني كنت قشرة بلا لب تراني فتى متألقا ولكن لم تكن لي شخصية بل كنت أنساق مع أي أمر أو كلام يقال لي لضعفي وخوفي من العقاب وكنت محل سخرية وأحيانا أكون جبانا خوفا من هول العقاب.

المشكلة أن هذا أثر على دراستي التي كنت متفوقا فيها لا عن رغبة لكن على مضض وخوف من الضرب إن لم أدرس أو أذاكر.

وقد حرمتني الدراسة من كثير من لحظات الطفولة فكنت ممنوعا من الخروج واللهو كما يفعل أقراني فكنت كمن يحضر لرسالة الماجستير وهو في المدرسة دوام على الدوام.

ومررت بمراهقة كارثية فقد بدأت أخرج من هذه الأمراض النفسية لكن والديّ أحسا بأنني تغيرت ولم يتقبلا شخصيتي الجديدة فكانا لا يحسنان التعامل مع نفسيتي في عدة مناسبات وهو ما سبب لي الاكتئاب.

واعتزلت الناس لمدة عام كامل أو أقل لا أكلم أحدا إلا والدي ولا أخالط أحدا نقمة وردا للفعل على نفسي وقد حرمني الضعف الذي داخلي من العديد من فرص الحياة والارتباطات والعلاقات عموما فبلغت مرحلة كرهت نفسي ويا له من زمن مؤلم والله.

كبرت اليوم لكن ذلك الضعف وأحيانا الجبن لم ينزع من قلبي فـأنا أعلم أن لي من المواهب والخصائل الكثير مما حرم منه أقراني وأنا اليوم ملتزم والحمد لله لكنني بقيت دوما مكبلا لا أقدر على قيادة نفسي واتخاذ قراراتي وقد لاحظت ميولي مع أي رأي أو فعل يفعله غيري ولا قرار لي فما سبيل التخلص من ذلك؟ وعذرا على الإطالة.

أجاب عنها:
د. خالد رُوشه

الجواب

الابن الكريم..

آلمتني رسالتك، ليس لمحتواها الإشكالي، لكن لمقدار الحزن الذي يلفها، وكم الألم الذي يعتصر نفسك مما عبرت فيها..

 

لكن يا عزيزي الكريم هوِّن على نفسك، فالحياة مواقف وتجارب وخبرات، وأحداث تمر بنا، ويجب علينا أن نخطو للأمام رغم كل ما يعترينا من مشاعر سلبية.

 

في البداية أرجو أن تغفر لوالدتك، فلا شك عندي أن هذا الذي كانت تفعله معك من تعنيف وضغوط إنما كان بسبب رغبتها الجامحة في أن تخرج ذكيا متفوقا متميزا ناجحا، فاغفر لها بنيتها الطيبة.

 

وللأسف كثير من الأمهات والآباء يعتقدون أن الضغط والضرب والتعنيف هي وسائل الضبط السلوكي وطرائق التوجيه الصائب، وهو اعتقاد خاطئ ولا شك، فالضرب هذا يجب أن يستعمل بدقة شديدة وتكون له ضوابط ويكون خفيفاً غير انتقامي ونادراً ولا يلجأ إليه إلا بعد التحذير المتكرر.. وغير ذلك.

 

عزاؤك أيضا في ذلك أن كثيراً من الأبناء قد عانى ما عانيته أنت، وكثيرون لا يزالون متأثرين نفسياً، لكن الفرق بينك وبينهم أنهم تناسوا المواقف وتعدوا مرحلة التعويق إلى مرحلة النسيان أو التناسي..

 

عزيزي الابن الكريم:

انظر إلى الجانب المشرق، قد استطاعت أمك أن تخرج منك طبيبا نابها، وشخصاً مهذباً خلوقاً، وقلباً ديناً مستقيماً، في مجتمع يعاني من التأخر العلمي والأخلاقي، ألا يحق لك أن تشكرها على ذلك؟!

 

إن لأمك عليك حقاً من البر، لا ينبغي أن تمنعه أو تقلله شكواك التاريخية منها؛ إذ هي التي أمرك الله ببرها، وهي التي ضحت لك كثيراً، وتألمت، وصبرت معك، وهي التي أحبتك كثيراً، وهي التي خفق قلبها ودمعت عينها لحظة غيابك، وهي التي طارت فرحا بنجاحك وفلاحك، وهي التي علمتك كل جميل.. فبرها فرض واجب، ومسامحتها لازمة عليك، ورضاها دافعك لكل خير.

 

أما عنك، فأهم الخطوات التي أطلبها منك أن تنظر للأمام، وأن تخرج نفسك من مشاعرك السلبية خطوة خطوة، وأن تزن قدراتك وإمكاناتك الحقيقية، وأن تواجه المجتمع من حولك مواجهة إيجابية مقدامة شجاعة بلا خوف أو تردد.

 

الناس يحبون الناجح المنجز، ويقدرونه كثيراً، وأنت طبيب وناجح، والكل سيعتبرك قدوة لأبنائه، عليك أن تزين نجاحك بالإقدام والإنجاز.

 

أهم خطواتك ابني الكريم أن تتقرب من ربك، وتبث شكواك له، وتدعوه بما تحب من خيري الدنيا والآخرة، فهو الغني القادر سبحانه.

 

ثم عليك أن تجرب الخطوات والتعاملات مع الناس خطوة خطوة، كثير من الناس جربوا بعد سن كبيرة ونجحوا، وكثيرون اكتشفوا الحقائق من حولهم بعد مرور وقت طويل من أعمارهم، لكنهم نجحوا وأنجزوا.

 

اقرأ واستشر واكتشف طرائق الحياة بنفسك وبمعونة الفضلاء والعلماء وصحبة الخير الصالحة.

 

ولو استشعرت استمرار العوائق النفسية فليس بعيدا أن تستشير طبيبا نفسيا خبيرا ليعينك على تجاوز العائق..

واستعن بالله دوماً.. وفقك الله.



اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
د. صالح بن فوزان الفوزان
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عبدالعزيز بن عبد الله آل الشيخ