الزواري.. وزجاجة العطر!
23 ربيع الأول 1438
رضوان الأخرس

كعادتهم الدائمة في محاولة استثمار الفوضى والانشغالات العالمية بما يحقق مصالحهم؛ اختار الصهاينة انشغال العالم بالأحداث في حلب من أجل اغتيال الشهيد التونسي المهندس محمد الزواري الخميس قبل الماضي في صفاقس بتونس، وقد أرادوا من خلال هذا التوقيت للجريمة أن تمر بصمتٍ ودون ضجيج أو اهتمام، إلا أن كتائب القسام أفسدت عليهم ذلك بإعلانها عن تبني الشهيد وأشارت إلى الأيادي الصهيونية التي اغتالته بكل وضوح حتى لا تضيع القضية أو تطوى صفحتها بالشكل والكيفية التي يريدها الاحتلال.

 

 

بالإضافة إلى ذلك فقد زاد هذا التبني من درجة الاحتفاء الشعبية بالشهيد بشكلٍ كبير حتى أصبح رمزًا اجتمعت على محبته شعوب الأمة في زمن التشرذم، وهذه إضاءة من أجمل الإضاءات في هذا المشهد.

 

 

ورغم أن هذا العالم التونسي كان مغمورًا لعموم الناس ويعمل بصمتٍ ودون ضجيج لأكثر من 10 سنوات مع المقاومة الفلسطينية ضمن صفوف كتائب القسام في وحدة الهندسة والتصنيع، وكان له الدور الأساسي والريادي في صناعة الكتائب لطائرات "الأبابيل" بدون طيار التي استخدمتها المقاومة لأول مرة عام 2014 أثناء العدوان الصهيوني على قطاع غزة.

 

 

 

لا تكمن فرادة محمد وريادته بالذي فعله في حياته فقط، بل تكمن فرادته أيضًا بموته حيث أصبح نموذجًا لكل العباقرة وأصحاب العقول في هذه الأمة الذين يرغبون في تطويع علمهم لخدمة أمتهم، فقد رفع الحجة عن كل قادر يتعذر، وقال بدمه إن المقاومة في أرض الجهاد فلسطين لن ترفضكم أو ترفض أفكاركم وابتكاراتكم على طريق التحرير من أجل الوصول إلى العز والمجد.

 

 

إنه ضخ في شباب هذه الأمة دماءً جديدة وآمالًا كانت بعيدة، فالكثير من المبدعين كانوا يودون اللحاق بالركب الذي توهموا بأنه مجرد حلمٍ أبعد عن التحقيق وأقرب للمستحيل لكنهم أبطؤوا السير إليه حين ظنوا بأن الطريق طويل، إلا أن دم الزواري اختصر المسافات وهزم المستحيلات.

 

 

يظن الاحتلال أن أخطر ما سيفعله القائد الزواري في المستقبل قد انتهى بقتله واستشهاده ويستطيع بعد ذلك أن ينام الإجرام الصهيوني بطمأنينة، وهو ذات الاعتقاد أو الوسواس الذي تسرب لعقول الصهاينة بعد اغتيالهم للمهندس يحيى عياش أو المهندس عدنان الغول أو نضال فرحات الذي حاول صنع طائرة بدون طيار في عام 2004، وقد ظن الاحتلال حين اغتاله بأن حلم المقاومة وسعيها إلى ذلك انتهى، إلى أن هذا الحلم كان واقعًا وحقيقة بعد عشر سنوات.

 

 

إن الأفكار الطموحة مع الإرادة القوية لا تقضي عليها الرصاصات، وإن مشروع المقاومة والتحرير ليس أشخاصا ليظن الاحتلال بقضائه عليهم ينتهي، إن هذا المشروع عقيدة المؤمنين وشغف الأجيال ولن ينتهي إلا بزوال الظلم والاحتلال، ومهما بلغت قوة البارود فإنها لا تهزم روح هذه الأمة الولود.

 

 

وإن فكرة القضاء على محمد الزواري بالرصاص تشبه كثيرًا فكرة القضاء على زجاجة عطر بالرصاص، وقد يقضي الرصاص على الزجاجة لكنه لا يقضي على العطر، بل بهذه الطريقة ينتشر العطر في كل الأنحاء، وكذلك فعل الاحتلال باغتيال محمد؛ فمحمد فكرة ستنتشر ولن تموت بإذن الله.

 

 

المصدر/ مدونات الجزيرة

9 + 1 =