التهنئة بالأعياد البدعية والكفرية
29 ربيع الأول 1438
د. عبد الله بن سليمان آل مهنا

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. وبعد.

فسئل شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني رحمه الله عن مسلم قال لذمي في عيد من أعيادهم: عيد مبارك! هل يكفر أم لا؟ وهل اليهود والنصارى من أمة محمد صلى الله عليه وسلم أم لا؟

فأجاب رحمه الله: "إن قال المسلم للذمي ذلك على قصد تعظيم دينهم وعيدهم حقيقة فإنه يكفر، وإن لم يقصد ذلك، وإنما جرى على لسانه، فلا يكفر بما قال من غير قصد"(1).

وقال ابن القيم رحمه الله: "وأما التهنئة بشعائر الكفر المختصة به فحرام بالاتفاق، مثل أن يهنئهم بأعيادهم وصومهم، فيقول: عيد مبارك عليك، أو تهنأ بهذا العيد ونحوه، فهذا إن سلم قائله من الكفر فهو من المحرمات، وهو بمنزلة أن يهنئه بسجوده للصليب، بل ذلك أعظم إثماً عند الله، وأشد مقتاً من التهنئة بشرب الخمر، وقتل النفس، وارتكاب الفرج الحرام، ونحوه، وكثير ممن لا قدر للدين عنده يقع في ذلك ولا يدري قبح ما فعل، فمن هنأ عبداً بمعصية أو بدعة أو كفر، فقد تعرض لمقت الله وسخطه، وقد كان أهل الورع من أهل العلم يتجنبون تهنئة الظلمة بالولايات، وتهنئة الجهال بمنصب القضاء والتدريس والإفتاء، تجنباً لمقت الله، وسقوطهم من عينه، وإن بلي الرجل بذلك فتعاطاه دفعاً لشرٍّ يتوقعه منهم فمشي إليهم، ولم يقل إلا خيراً، ودعا لهم بالتوفيق والتسديد فلا بأس بذلك، وبالله التوفيق"(2).

وتحريم تهنئتهم بأعيادهم هو مذهب الحنابلة(3).

وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: "مسألة: هل يجوز أن نهنئهم أو نعزيهم أو نعود مرضاهم أو نشهد جنائزهم؟

الجواب: أما التهنئة بالأعياد فهذه حرام بلا شك، وربما لا يسلم الإنسان من الكفر؛ لأن تهنئتهم بأعياد الكفر رضى بها، والرضى بالكفر كفر، ومن ذلك تهنئتهم بما يسمى بعيد (الكريسمس) أو عيد (الفصح) أو ما أشبه ذلك، فهذا لا يجوز إطلاقاً، حتى وإن كانوا يهنئونا بأعيادنا، فإننا لا نهنئهم بأعيادهم، والفرق أن تهنئتهم إيانا بأعيادنا تهنئة بحق، وأن تهنئتنا إياهم بأعيادهم تهنئة بباطل، فلا نقول: إننا نعاملهم بالمثل، إذا هنؤونا بأعيادنا فإننا نهنئهم بأعيادهم، للفرق الذي سبق.

وأما تهنئتهم بأمور دنيوية، كما لو ولد له مولود، أو وجد له مفقود فهنأناه، أو بنى بيتاً فهنأناه، أو ما أشبه ذلك فهذه ينظر، إذا كان في هذا مصلحة فلا بأس بذلك، وإن لم يكن فيه مصلحة فإنه نوع إكرام، فلا يهنؤون، ومن المصلحة أن يكون ذلك على وجه المكافأة، مثل أن يكون من عادتهم أن يهنؤونا بمثل ذلك فإننا نهنئهم"(4).

وفي فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء ما نصه: "لا يجوز للمسلم تهنئة النصارى بأعيادهم؛ لأن في ذلك تعاوناً على الإثم، وقد نهينا عنه، قال تعالى: {وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة:2]، كما أن فيه تودداً إليهم، وطلباً لمحبتهم، وإشعاراً بالرضى عنهم، وعن شعائرهم، وهذا لا يجوز، بل الواجب إظهار العداوة لهم، وتبيين بغضهم؛ لأنهم يحادون الله جل وعلا، ويشركون معه غيره، ويجعلون له صاحبة وولداً.

قال تعالى: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ} [المجادلة:22]، وقال تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} [الممتحنة:4] وبالله التوفيق"(5).

 

_____________________

(*)  أصل المقال مستفاد من من رسالة علمية بعنوان الأعياد المحدثة وموقف الاسلام منها، للباحث د. عبد الله ال مهنا. ص 307

  1. ملحق بكتاب (مسألة في الكنائس) لشيخ الإسلام ابن تيمية (ص139).
  2. أحكام أهل الذمة (1/205).
  3. انظر: المقنع ومعه الإنصاف (10/456)، والفروع لابن مفلح (10/334)، والمنتهى (2/244).
  4. الشرح الممتع (8/75)، وانظر: فتاوى العقيدة له (ص246).
  5. (3/435).
8 + 12 =