قراءة في اتفاق وقف إطلاق النار
1 ربيع الثاني 1438
سعيد الحاج

أتى الحدث الأبرز في القضية السورية وربما المنطقة برمتها لسنة 2016 قبل يوم واحد من نهايتها، لكن لسان حال الكثيرين قال: أن يأتي متأخراً خير من ألا يأتي أبداً. فقد أعلنت كل من موسكو وأنقرة عن اتفاق لوقف إطلاق النار بين النظام السوري والمعارضة في "عموم الأراضي السورية" يبدأ ليلة الثلاثين من كانون الأول/ديسمبر الحالي، ويمهد لمفاوضات الحل السياسي بعد شهر منه، مستثنياً "المنظمات الإرهابية".

 

 

من التفاصيل اللافتة في الاتفاق الذي أصبح حديث الساعة سرعة موافقة النظام ومعظم فصائل المعارضة عليه، وعدم نصه صراحة على الأطراف المستثناة منه مكتفياً بمصطلح "المنظمات الإرهابية" الفضفاض، وخروجه برعاية ثنائية وليس ثلاثية باعتبار روسيا وتركيا (بلا إيران) دولتين ضامنتين له.

 

 

في حسابات الربح والخسارة، ورغم أن الوقت ما زال باكراً للحكم على الاتفاق وبنوده (السرية تحديداً) ومدى نجاحه، تتقدم روسيا قائمة الكاسبين بتثبيتها نفسها كقوة عالمية "قادرة" على حل النزاع وضمان حسن تطبيق الاتفاق فضلاً عن تفردها -نظرياً على الأقل وفق بنود الاتفاق -بقرار النظام السياسي والقرار العسكري الميداني في سوريا. ولعل من إشارات ذلك غياب الولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة أخرى عن الاتفاق وإعلانه وآلية متابعته.

 

 

من جهة أخرى، وبطريقة مماثلة، ثبتت تركيا نفسها كدولة إقليمية فاعلة وذات دور في القضية السورية وضامنة للمعارضة (مالكة لقرارها؟)، فضلاً عما يمنحها الاتفاق إياه من فرصة لتهدئة الأوضاع في سوريا بما يقلل من مساحات انشغالها واستنزافها ومن مصادر التهديد والضغط عليها.

 

 

 

في مقدمة الخاسرين يأتي برأيي كل من النظام السوري والمعارضة قبل أي طرف خارجي آخر رغم مسارعتهما للقبول وإعلان الاستعداد للالتزام بتطبيق الاتفاق "إن التزم به الطرف الآخر". فالاتفاق خرج أولاً من المباحثات الروسية -التركية ثم "عُرض عليهما" بما يعني أنه ليس حلاً سورياً بل إقليمياً/دولياً، وهو ثانياً تعبير عن مدى إنهاكهما وقناعتهما باستحالة الحل العسكري وفق الظروف الحالية وقبولهما الحل السياسي عبر التفاوض.

 

 

هذا يعني أن الأسد سيجلس إلى من اعتبرهم "حشرات" وإرهابيين، وأن المعارضة قد قبلت ضمناً ببقائه في السلطة خلال الفترة الانتقالية وإن أعلنت عكس ذلك. وهنا يفرض التساؤل نفسه مرة أخرى على الطرفين وإن بنسب مسؤولية متفاوتة: إذا كان الخيار هو التفاوض السياسي المفروض إقليمياً أو دولياً، لماذا لم يكن هو الخيار سورياً، وقبل مئات الآلاف من الشهداء؟!!

 

 

لا يختلف مضمون الاتفاق عن كل ما سبقه وعن حدود ما تطالب به معظم الأطراف منذ فترة، الفارق فقط أنه أتى في التوقيت الذي اختارته روسيا تحديداً وبشروطها، سيما بعد معركة حلب وإخراج المسلحين منها، وبالتالي فهو يعكس موازين القوى الميدانية الحالية ويؤسس -وفق المبتغى منه -لعملية سياسية وفق هذه الموازين.

 

 

ولذلك فالاتفاق يملك فرص صمود ونجاح أكثر من سابقيه بكثير، باعتبار أن روسيا معنية بنجاحه أكثر من أي وقت مضى، أولاً لأنها وصلت لمعظم (وليس كل) ما تريد تحقيقه في سوريا، وثانياً لأنها فرضت رؤيتها بحل سياسي لا يتضمن بالضرورة رحيل الأسد/النظام، وثالثاً لأنها تريد جني الثمن السياسي لما قدمته عسكرياً، ورابعاً لأنها لا تريد الدخول في عملية استنزاف طويلة المدى. ومن قرائن ذلك تصريحات بوتين عن هشاشة الاتفاق وعن ملفات النزاع المشتعلة التي لم تقل في العالم وعن تفكير بلاده بسحب جزء من قواتها في سوريا قريباً.

 

 

لكن ذلك لا يعني أن الاتفاق نهائي، بل تعترض تطبيقه عدة مهددات ومخاطر، أهمها:

أولاً، الخروقات:

حيث ينظر الطرفان سيما النظام للاتفاق على أنه فرصة لالتقاط الأنفاس وترتيب الأوراق للمراحل المقبلة، خصوصاً ما يتعلق بخطط النظام وحلفائه بخصوص إدلب والغوطة (التي بذلت جهود كبيرة لاستثنائها من الاتفاق)، ولعل الخروقات القليلة من النظام حتى لحظة كتابة المقال أبرز دليل على ذلك.

 

 

 

ثانياً، التفسيرات المختلفة

فقد كتب الاتفاق بصياغات فضفاضة وحمالة أوجه حتى لا يفشل بسبب الخلافات على التفاصيل، سيما في جزئية "المنظمات الإرهابية" المستثناة من وقف إطلاق النار. فرغم التوافق على استثناء "داعش" منه، إلا أن ما صدر عن مختلف الأطراف يشير لتضارب واضح -ومقصود -في التفسير، بما يشمل النصرة بالنسبة للنظام وفصائل أخرى بالنسبة لروسيا (بحجة قصف داعش) والفصائل الكردية المسلحة بالنسبة لتركيا.

 

 

 

ثالثاً، الدور الإيراني

حاولت طهران إعاقة اتفاق إجلاء المدنيين والمسلحين من حلب لتفرض نفسها عليه وعلى قمة موسكو الشهر الفائت ونجحت في ذلك، ولا شيء يمنع أن تسعى لإعاقة اتفاق وقف إطلاق النار الحالي بنفس الأسلوب ولنفس الأهداف أيضاً عبر ميليشياتها المنتشرة على الأرض والمكملة للدور الروسي في الجو. ولعل المحك الأبرز لهذا الدور هو مطالبة المعارضة وتركيا بخروج الميليشيات "الشيعية" من الأراضي السورية، وكيف ستتفاعل إيران مع هذا المطلب وكيف سيؤثر ذلك على العلاقة بينها وبين روسيا كدولتين داعمتين للنظام.

 

 

 

رابعاً، محاولات تجزئة المعارضة

كانت مشكلة المعارضة السورية الكبرى وما زالت تفرقها وتشرذمها بين الداخل والخارج وبين السياسي والعسكري وانقسام كل منها على نفسه والاقتتال الداخلي مرات ومرات. اليوم، يأتي هذا الاتفاق ليستبعد المعارضة السياسية ويفاوض الفصائل العسكرية وهو ما يضع علامات استفهام إضافية حول وحدة موقفها وحول نتائج المفاوضات المزمع عقدها، إضافة لاستثناء مناطق داعش المعلن واستثناء النصرة الضمني (بالنسبة لبعض الأطراف على الأقل) والذي سيفتح الباب على استهداف المعارضة والجدال البيني على نطاق واسع، بل ربما يؤدي إلى مواجهات مباشرة بين داعش و/أو النصرة من جهة وباقي الفصائل من جهة أخرى على طريقة "الصحوات" في العراق سيما في ظل أي اتفاق سياسي لاحق.

 

 

 

خامساً، ضامنو الاتفاق

خروج الاتفاق برعاية روسية -تركية بعيداً عن الإطار الدولي والمباحثات الأمريكية -الروسية السابقة يشكل أيضاً عاملاً مهدداً له رغم تأكيد الطرفين على أنه ليس بديلاً لما سبق وأنه جهد مكمل له، ولعل في التعقيب المتأخر والمقتضب للإدارة الأمريكية إشاراتٍ على عدم الرضى الكامل عن الناتج لعدم وجودها في الصورة، رغم أنه لا يخالف كثيراً ما تريده.

 

 

بيد أن التحدي الأكبر للاتفاق هو مدى قدرته على أن يكون خطوة أولى على طريق حل الصراع بشكل نهائي بين النظام والمعارضة، وهو تحد كبير وصعب وأعتقد أنه بعيد المنال جداً لعدة أسباب. فالقضية السورية لم تعد منذ سنوات أزمة محلية بل صراعاً دولياً ومَنْ صاغوا الاتفاق الحالي ليسوا كل الفاعلين الدوليين بما يعني أن مصالح أطراف أخرى لم تراع فيه. من جهة أخرى، لا يملك أحد القدرة على ضبط سلوك داعش وبدرجة أقل النصرة في الميدان، وبوجود أي استثناء جغرافي أو فصائلي فإن مخاطر انهيار الاتفاق تبقى قائمة دائماً، سيما في ظل التفسيرات المتضاربة التي تناولناها أعلاه.

 

 

الأهم، أن المفاوضات السياسية التي ستعقب وقف إطلاق النار (في حال نجح واستمر) ستعيد القضية السورية إلى الأسئلة الأولى، أسئلة الحكم والدولة والمستقبل ومصير الأسد، وهي أسئلة قادرة على تفجير أي مسار سياسي في ظل انتفاء النوايا الحسنة من قبل النظام تحديداً وعدم قدرة المعارضة على القبول بما هو أقل من الحد الأدنى المعقول.

 

 

 

أخيراً، بعد ست سنوات من بدئها، لم تختف بعد مسوغات الثورة السورية ولم تنتف أبداً مظلومية الشعب السوري رغم كل المراحل والتشابكات والتعقيدات التي مرت بها ثورته، بل لعل الأوضاع اليوم أكثر بؤساً من عام 2011 حيث تحولت سوريا إلى أراض محتلة من قبل عدة دول تحاول اقتسام كعكتها. ورغم أن النظام والمعارضة يبدوان حريصين على وقف إطلاق النار والتهدئة ولو مؤقتاً، إلا أن القضية السورية تبدو على مشارف مرحلة استنزاف طويلة الأمد أكثر من قربها من الحل النهائي ما لم تحصل معجزات تعودنا غيابها في السياسة وخصوصاً في الأزمة السورية.

 

 

المصدر/ المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية

11 + 5 =