القرم مجددا لكن عبر ترامب وكيسنجر!
2 ربيع الثاني 1438
أمير سعيد

لا يريد الغرب أن يكون للروس موقعاً متميزاً في أوروبا الشرقية، ولا أن يزداد نفوذه هناك، لكن كيف له أن ينزعج إذا كان الروس يعاونونه في أهدافه الكبرى حيال المسلمين.

 

جزيرة القرم إحدى تلك الشواهد: موقع استراتيجي لا نظير له في البحر الأسود، لطالما سعت إليه روسيا من قرون، حتى من قبل أن تذعن موسكو إلى إدارته المحلية من قبل العثمانيين دافعة لهم الجزية عن يد وهي صاغرة في قرون العز الإسلامية، تحكم هائل في البحر الأسود، تقييد لحركة الملاحة التركية، إطلالة سياحية مبهرة، ميناء نموذجي لأسطول روسيا.

 

 

كل هذا يرغب الغرب في ألا يكون في حيازة الروس، لكن مهلاً، لمن يذهب إذن؟! أللمسلمين؟! ثمة "لا" كبيرة تستقر في العقل الجمعي الغربي، أوروبي وأمريكي حيال هذا، ولهذا سيتكرر ما قلته في نهاية العام الماضي أنك "لن تسمع أو تشاهد ما يمكن أن يجذبك إلى شبه جزيرة القرم حيث سرقت بتواطؤ دولي، وصيرت محتلة رغم عن أهلها من قبل روسيا"، سيتكرر بالفعل، وهذا ما يتجلى بكل وضوح من توجهات الإدارة الأمريكية الجديدة، التي لن تختلف عن سابقتها إلا في مقدار حماستها لسحق حقوق المسلمين في القرم؛ ففي الأسبوع الأخير من هذا العام نشرت صحيفة "دير بيلد" الألمانية تقريرا تحت عنوان "كيسنجر لمنع حرب باردة جديدة"، مفصلة ذلك بخطة يعمل عليها ثعلب الدبلوماسية الأمريكية لتحسين علاقة واشنطن بموسكو عبر صفقة "تقبل فيها الولايات المتحدة بعودة شبه جزيرة القرم إلى روسيا، وفي المقابل، تسوية الوضع في شرق أوكرانيا".. لكن لننتبه جيداً: لن يكون هذا أيضاً في صالح مسلمي تتر الدونباس في شرق أوكرانيا، سيستثنون أيضاً كما هي العادة، أو هكذا نعتقد.

 

 

كيسنجر واقعي جداً، وهو يدرك أيضاً أن تركيا، المفترض أن تكون السند الأول لمسلمي القرم لن تستطيع فعل شيء لهم في ظل تقاربها مع روسيا، واحتياجها إليها في أكثر من ملف: المأساة السورية، وضع الموصل بالشمال العراقي، منظومة الدفاع الجوي.. ملفات أخرى اقتصادية أبرزها مشروع السيل التركي.. لننتبه أيضاً: حتى في حالة التوتر بين أنقرة وموسكو لم يكن هامش التحرك واسعاً أمام الأتراك ما لم يكن الحلف الأطلسي مسانداً قوياً لهم، وهو ما يجافي الحقيقة تماماً؛ فالحلف خذل الأتراك في أكثر من موضع أبرزها أزمة الطائرة الروسية حين سحبت منظومة الباتريوت على نحو لم يجعلها تغطي الأرض التركية كلها، وكذلك مع انكشاف تورطه في محاولة انقلاب منتصف يوليو الماضي.  

 

 

لكن كيسينجر ليس واقعياً ولا "براجماتياً" فحسب، فعقيدته الصهيونية تحكم تحركاته ومخططاته، وهي تفرض عليه أن يباشر خطة تقدم إلى الإدارة الجديدة من شأنها التوافق مع روسيا ضد مسلمي القرم، وهضم حقوق الدونباس، وضمان استقلال أوكرانيا بذات الوقت!

 

أما الإدارة الجديدة فستأتي الخطة على هواها، "إن الناس في شبه جزيرة القرم، حسبما سمعت، يفضلون أن يكونوا مع روسيا"، قال ترامب لصحيفة قبل أربعة أشهر، وهو يعني تلقائياً أن الإدارة الأمريكية بوسعها أن تعتمد على "السماع"، والنتائج المريبة للاستفتاءات المقامة أمام فوهات بنادق الروس وعصاباتهم في القرم، مثلما طاب لهم "سماع" أنباء عن حشود بعشرات الملايين في قلب القاهرة قبل سنوات!

 

لكن لا تظنوا أن الاعتراف الأمريكي المزمع أو المتوقع بجريمة احتلال شبه جزيرة القرم سيكون له ما يقابله في سوريا أو نحوها مما يمكن أن يعتبر "صفقة" تفيد المسلمين هنا وتهضمهم هناك؛ فليس في أذهان الغربيين ولا الشرقيين وارد في ذلك، بل الصفقة تقتضي مزيداً من الحرمان في سوريا والقرم وشرق أوكرانيا للمسلمين، في مقابل تطبيع العلاقة بين الروس والأوكران، وتهيئة المناخ لعلاقة أقل توتراً بين الأمركيين والروس..

 

13 + 0 =