حلب مرة أخرى (ما بعد حلب)
3 ربيع الثاني 1438
د. إبراهيم الناصر

أولا:ً حقائق شرعية:

1    - حسن الظن بالله من أفضل العبادات، قال تعالى في الحديث القدسي: (أنا عند ظن عبدي بي)(١)، وقال ابن مسعود رضي لله عنه: "والذي لا إله غيره ما أعطي عبد مؤمن شيئا خيرا من حسن الظن بالله عز و جل"( ٢)، وفي المقابل نعى الله سبحانه وتعالى على قوم يظنون ظن السوء، قفال: {وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ} [آل عمران:١٥٤]، وقال سبحانه: {وظنَنَتمْ ظنََّ السَّْوِء وُكنتمْ قَْوًما بوُرا} [الفتح: ١٢] فليختبر أهل سوريا ثواراً وشعباً إيمانهم من خلال هذه العبادة، وهي أن  العاقبة لأهل الإسلام، وإن ما أصاب أهل سوريا من بلاء لحكمة يعلمها ربنا، ونعلم بعضها ونجهل الكثير.

 

2 – الوعد القرآني بأن العاقبة للتقوى وأن جند الله هم الغالبون، وحديث الطائفة المنصورة الملازمة لوجود الأمة حتى تقوم الساعة يجعل الاعتقاد بأن الأمة يمكن أن تكون مهزومة بإطلاق خللاً في العقيدة، والشام هي ميدان الطائفة المنصورة في آخر الزمان كما أخبر بذلك الصادق المصدوق، وقد وعد لله سبحانه وتعالى نبيه لأمته (أن لا يهلكها بسنة بعامة، وأن لا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم)(٣).

 

3 – {إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء:104]، فالثورة السورية هزمت النظام وإيران وميليشياتها حكماً، وهزمت روسيا معنوياً، وأنهكت إيران والميليشيات بشرياً، وأنهكت روسيا إعلامياً وسياسياً، وقتلى النظام والميليشيات خلال الثورة وفي حلب خاصة أضعاف أضعاف قتلى الثوار، ولذا يلجؤون لقتل المدنيين، ودعوى روسيا أنها قتلت أكثر من 30 ألفاً من الثوار دعوى كاذبة، وإنما تسويغاً لتدخلها أمام شعوبها والعالم، وإنما الصحيح أنها قتلت هذا العدد من المدنيين لا من الثوار.

 

4 – إن الشهادة في سبيل الله اصطفاء ورصيد في سجل تضحيات الأمة، وقد نالها بعض أهل حلب مدنيين ومقاتلين من جميع أبوابها، فقد قتلوا على خط النار أمام الكفار، ونالوها حرقا وهدما وجوعا وصبر اً ودفنا وتعذيبا وألما ،ً ولا ننسى أن البلاء الذي يصيب الأمة بسبب ذنوبها كفارات لها، قال تعالى: {مَن يَعْمَل سُوءاً يُجَْز بهِِ} [النساء:١٢٣]، وورد في حديث النبي صلى لله عليه وسلم: (ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه)(4) والوعد عند الله الجنة، كما أنه تأديب لها وكشف لأمراضها وفضح لمنافقيها وتمحيص لمؤمنيها، {وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ} [آل عمران:141]، وقال سبحانه: {ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ} [محمد:4] الآية.

 

٥- إن النصر الموعود به للمجاهدين لا بد له من توفر شروط وانتفاء موانع، فمن شروطه:

أن يقاتل المسلم أو الطائفة أو الأمة لتكون كلمة لله هي العليا، والدفاع عن المظلومين ورد عدوان المعتدين على النفوس والأعراض والأموال والأديان وغير ذلك من مقاصد القتال المشروع في الإسلام، وهذا من معاني نصر الله في قوله تعالى: {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ} [محمد:7]. ومن موانع النصر: التنازع، قال تعالى: {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [الأنفال:46]، وقد اكتنف الثورة السورية من موانع النصر ما يكشف لنا بعض أسباب الواقع فالثورة السورية وغيرها واجب عليها أن تستجيب لأمر ربها فتتمثل شروط النصر وتحذر من موانعه حتى ينصرها الله.

 

6 – تزيدنا أحداث الشام إيماناً بنبوة محمد عليه الصلاة والسلام، فقد ذكر من الوقائع والأحداث المستقبلية ما يظهر تباعاً ومنها في بلاد الشام، فهذه الأحداث لها ما بعدها، فهي أرض المحشر والمنشر، وهي التي ينزل فيها عيسى بن مريم عليه السلام عند منارتها البيضاء، وفيها يُقتل الدجال، وهي الأرض المباركة، وهي أرض الملاحم، وفيها بداية الملحمة الكبرى، ويقود المهدي فيها جيش المسلمين وغوطتها فسطاط المسلمين يوم الملحمة، فهي أرض مباركة، وثورتها مباركة، (وإذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم)(5)، (وإن الإيمان إذا وقعت الفتن بالشام)(6).

 

ثانياً: عبر من التاريخ الحديث والمعاصر:

فقراءة التاريخ ومعرفة سننه واستخلاص عبره يعين على قراءة المستقبل والاستعداد له، وهي استجابة لأمر الله سبحانه وتعالى، حيث أمرنا بذلك فقال: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا...} [النمل:69]. والنظر هنا: علمي وبصري، هذا أولاً، وهو ثانياً حماية للأمة من أن تستغرقها اللحظة الراهنة بمآسيها وإخفاقاتها، والنظر للمستقبل بتفاؤل وطمأنينة، فمن عبر التاريخ الحديث وصور البطولة التي تبين حقيقة جهاد الأمة عندما تصدق مع ربها وتخلص لدينها وتحب الموت في سبيل الله:

 

•    في عام 1920م سقطت بلدة كفرتخاريم في سوريا بيد الفرنسيين وشرد أهلها في شتاء قارس، فقام ثلاثون مجاهداً بقايدة مجاهد بطل اسمه نجيب عويد بتطويق المنطقة قبل الفجر، ومع الأذان والتكبير وإيهام العدو أنهم ذو عدد هجموا على المحتلين، وفي ملحمة من ملاحم التاريخ الحديث وبعد مقتلة حامية هرب الفرنسيون بكل أعدادهم وسلاحهم وقادتهم من البلدة مخلفين عشرات القتلى والجرحى والمعدات العسكرية.

 

•    في عام 1921م سقطت بلدة أنوال في الريف المغربي بيد الأسبان فقام 1000 مجاهد بقيادة عبد الكريم الخطابي بمواجهة الجيش الأسباني البالغ 25000 مقاتل المدعوم من الفرنسيين، وفي معركة استمرت خمسة أيام أبيد الجيش الأسباني في ملحمة من أهم ملاحم حركات التحرير ضد الاستعمار.

 

•    في عام 2001م في إبان الهجوم الأمريكي على أفغانستان أسر مجموعة من المقاتلين في قلعة جانجي في عملية غدر قام بها دوستم وتحالف الشمال وسط حراسة مئات الجنود بأسلحتهم ودباباتهم يدعمهم الأمريكان، وفي انتفاضة بطولية من هؤلاء الأسرى القليلي العدد سيطروا على القلعة وهزموا حراسها وقتلوا كثيراً منهم في ملحمة أسطورية من أغرب الملاحم.

 

•    مقاومة غزة الباسلة لإسرائيل، وكيف أن بلدة محاصرة كسجن كبير مخذولة من محيطها العربي حققت – وما زالت تحقق – حالة توازن رعب مع دولة لديها جيش هو أقوى جيوش المنطقة وأحدثها تسليحاً، بواسطة فصائل بأسلحة خفيفة.

 

•    ومثال أخير: حلب، فثلاثة آلاف مقاتل محصورون داخل البنايات، ومحاصرون من قبل آلاف الميليشيات، وتدكهم الصواريخ بمعدل لم يسبق له مثيل في حروب القرن، ومع ذلك صمدوا صموداً أسطورياً رغم نقاط ضعفهم من قلة السلاح والغذاء، ورغم 72000 غارة – حسب تصريحات روسيا – معظمها على حلب، ومع ذلك خرجوا خروجاً مشرفاً دون قتل أو أسْر.

 

ثالثاً: حلقة التآمر:

1)    روسيا هزمت في أفغانستان وخرجت تجر أذيال الخيبة واليوم جاءت لتعيد مكانتها بثقلها وأسلحتها المدمرة أمام الثوار بأسلحتهم المحدودة، وأمام المدنيين العزل، فجزء من أهداف التدخل الروسي هو مد لنفوذها وتجريب لسلاحها واستعراضها أمام العالم وحلف الأطلسي، فمجيء الطائرات الروسية عن طريق غرب الأطلسي فالبحر المتوسط ثم قص الثوار في سوريا والعودة إلى روسيا دون قواعد هو من هذا القبيل، مثله مثل استعراض حسن نصر الله لقواته في القصير داخل سوريا، هي رسالة لميشيل عون في لبنان حتى لا يغير قواعد اللعبة، وقدر ثورة سوريا أن تكون ميداناً لهذه الاستعراضات والرسائل خارج سوريا.

 

2)    انكشاف المؤامرة وتعري المشتركين في المعركة، ودعاة حقوق الإنسان والأمم المتحدة ومجلس الأمن فلا قيم ولا حضارة ولا إنسانية ولا حقوق إنسان ولا حتى التزام بالقانون الدولي في الحرب على سوريا، فقتل السوريين وتهجير من لم تطلْه يد القتل والتدمير هو السلوك والقانون، فهي ثورة فاضحة على المستوى الدولي والإقليمي والداخلي.

 

3)    مثلث الجريمة: أ) أمريكا وإسرائيل. ب) روسيا والنظام. ج) إيران وحزب الله وبقية الميليشيات الطائفية.

وفي الحقيقة إن النظام قد تهاوى وسقط حتى من دوره السياسي، فهذا المثلث هو الذي يؤدي عنه معظم الأدوار، كان آخرها التفاوض حول إجلاء الأهالي والثوار من حلب، حيث لم يكن له أي دور وإنما كان التفاوض مع روسيا وإيران نيابة عنه. وهذا يكشف عن أن روسيا وإيران تجاوزتا مرحلة الشريك والمساعد في الحرب إلى مرحلة تبني المعركة بصورة شبه كاملة.

 

4)    أهمية كشف الموقف الأمريكي في القضية السورية بأدلة تكشف نفاقهم، ومشاركتهم في الحصار بمنعهم دخول الأسلحة النوعية ومضادات الطيران، واستبقاء أسلحة كيماوية لدى النظام ليستعملها عند الحاجة ضد الثوار، والضغط على تركيا من أجل إغلاق الحدود مع سوريا، وغدرهم بها، في عدم الاستجابة لطلبها بإنشاء حزام فاصل على الحدود ومنطقة آمنة من خلال حظر الطيران لحماية اللاجئين ولحماية الحدود التركية، وتبني الأكراد مع أنهم مصنفون إرهابيين لدى تركيا، والموقف الصامت بل المؤيد للتدخل الروسي والإيراني وحزب الله وغيرهم من الميليشيات الشيعية من باكستان وأفغانستان والعراق وغيرها، ووقوفهم ضد هزيمة المشروع الإيراني ودعمهم أمن إسرائيل، وفي مقالة د. فيصل القاسم التي أجاب فيها عن سؤال: "هل تريدون أن تعرفوا بعض أخلاقيات المومس العاهرة المسماة أمريكا ضد العرب والمسلمين؟" بيانٌ شافٍ عن ذلك.

 

رابعاً: الموقف الخارجي:

1)    ظهر في أوساط المسلمين من يتحدث بلسان الشماتة، ولسان حالهم: (لو أطاعونا ما قتلوا) ويلقون باللائمة على الشعب السوري الذي خرج بالمظاهرات ضد بشار من أول الأمر، وكان عليه أن لا يفعل فعلته، والخلل يكمن في:

-    السلبية في مراعاة السياق: فالوقت وقت تعاطف وتراحم وإخاء، لا وقت تلاوم وتبرم وتذمر.

 

-    الخطأ في التصور لأسباب الثورة: والحق أنها خرجت بادئ الأمر من الشعب وحده دون توجيه أو تهييج من أحد، لا من مشايخ ولا من جماعات ولا من كُتَّاب، ودافعها مظالم عميقة، وحقوق منتهكة، وتاريخ طويل من الفساد والانحراف والتعديات عمّق في نفوس الناس من معاني القهر والظلم والنفور ما تفجَّر مع أدنى فرصة.

 

-    الخلل في استيعاب المعطيات الجديدة للثورة فلم تعد في صورتها السابقة في هيئة مظاهرات تطالب بإسقاط النظام، بل قد انكشفت خبايا العداء الباطني والصراع الطائفي وتحول الحال إلى معركة ضد وجود أهل السنة وهويتهم، ولو تأخرت الثورة السورية لما استطعنا كشفها فضلاً عن مقاومتها.

 

2)    انكشاف النفاق وتعري المنافقين، فبعد هذه المعركة وهذه الثورة وهذا الإجرام العالمي الدموي في حلب خاصة وفي أحداث سوريا عامة ومن أول الثورة وإلى الآن لم يعد ثمة منافقون، لقد انكشف القناع؛ قناع المقاومة والممانعة وقناع العداء لإسرائيل والموت لأمريكا، وانكشف الغطاء عن العملاء والمتعلمنين دولاً وأحزاباً ومثقفين وإعلاماً وكتَّاباً في عموم المنطقة العربية.

 

خامساً: الموقف الداخلي للثورة السورية بعد حلب:

1)    الذي سقط من حلب 13% من حجم المدينة ويمثل جزءاً من شرق حلب فقط، وفي السابق لم تكن حلب كلها بيد النظام – وما زالت كذلك -، ولا كلها بيد الثوار، وليست حلب هي أولى الحلقات، فقد سبقتها حمص وبلدات في غوطة دمشق الغربية، فتقدر الأمور بقدرها، وتضخيم الحدث أكثر من قدره وتحويله إلى هزيمة منكرة للثورة ومناحة محبطة له مقاصد خبيثة وهي أن الثورة على وشك السقوط.

 

2)    سطر السوريون أروع البطولة بالصمود والاستمرار حتى آخر اللحظات، رغم الصعوبات والمشاق، ورغم التواطؤ والتآمر، تحت القصف المنهال عليهم بالصواريخ والمتفجرات والطائرات والأسلحة الفتاجة، فثلاثة آلاف من المقاتلين قاوموا كل هذه المدة وتحت كل هذا الحصار، قاوموا جيوشاً جرارة من البر والبحر والجو، وأصبحت حلب ثالث مدينة في تاريخ الحروب الحديثة تدك بصورة الأرض المحروقة بعد برلين وجروزني، ومن العجيب أن المجرم يكاد يكون واحداً في كل الجرائم الثلاث هو روسيا.

 

3)    الوقوف عند أسباب عدم استكمال النصر الموضوعية في حلب وهي ثلاثة: فُرقة المقاتلين، والتنازع بينهم أحياناً، الأمر الذي منع من وجود قيادة موحدة، ثم الاختراق الداخلي من قبل النظام، الأمر الذي خذل المقاومة في اللحظات الحرجة، ثم وجود المدنيين الذين لم يتورع مثلث الجريمة من تحويلهم إلى أشلاء وبيوتهم إلى ركام، هذه الأسباب خاصة الأخير منها جعلت الثوار يستجيبون لصفقة الانسحاب، وهو قرار محكوم بظروفه الميدانية الداخلية والخارجية، نعم، هو ليس نصراً، لكنه قطعاً ليس هزيمة.

 

4)    وضع الحدث في سياقه الطبيعي فلو سقطت حلب لم تسقط بقية المدن التي بيد الثوار، ولو سقطت المدن لم تسقط الثورة السورية، ولو سقطت الثورة السورية لم تسقط ثورة المسلمين ضد المستكبرين والظالمين،ولو سقطت ثورات المسلمين فسيبقى الإسلام ولن يسقط، بعز عزيز أو بذل ذليل؛ فالإسلام أقوى وأبقى من كل عزيز ومن كل ذليل، و(لا تزال أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من يخذلهم حتى يأتي أمر الله)(7)، ومن اعتقد خلاف ذلك فهذا خلل في اعتقاده وسوء ظن بربه، فهذه معركة من معارك والحرب سجال والأيام دُوَل، والتاريخ مليء بالهزائم والانتصارات وهي أكثر، والمستقبل للإسلام والعاقبة للتقوى.

 

5)    الوضع الآن مرتكز على المراهنة على الاستنزاف وإعادة إحياء الثورة وتجديدها، وفتح الجبهات المتعددة وتقويم مبدأ الاحتفاظ بالمدن وعادةً تكون ثورات الشعوب أقدر من جيوش الدول في حروب الاستنزاف، والمسألة مسألة زمن، والعاقبة للمتقين والصابرين، ولم يذكر التاريخ أن ثورة شعب كهذه الثورة هزمت نهائياً.

 

6)    لا عذر للفصائل المقاتلة في سوريا بعد اليوم من أن تتوحد فيما بينها باندماج كامل وقيادة موحدة، وأقله أن توحد موقفها العسكري بقيادة واحدة، وموقفها السياسي بمجلس سياسي واحد يمثل الثورة.

 

سادساً: تفاعل أبناء الأمة مع حلب، ومن صور ذلك:

1 – التبرعات المالية والعينية:

- ففي الصومال لم يمنعهم ما هم فيه من الحاجة وتدني الاقتصاد والوضع المعيشي من إقامة حملة تبرعات لصالح المنكوبين في حلب.

 

- التفاعل الشعبي والرسمي في قطر: شركات ومطاعم تخصص ريع مبيعاتها ليومٍ لمنكوبي سوريا، وتخصيص عائدات بيع بعض إصدارات الكتَّاب القطريين للشعب السوري، وتخفيض أسعار المكالمات إلى سوريا، وفعاليات أخرى حيث بلغت التبرعات أكثر من 245 مليون ريال.

 

- وفي الكويت فتحت أبواب التبرعات وحملة "صرخة حلب" في الجمعيات والمؤسسات الخيرية، وموقف رئيس مجلس الأمة يذكر فيشكر، وموقف الشعب الكويتي الذي تجمع عند السفارة الروسية احتجاجاً على جرائم روسيا في سوريا عامة، وفي حلب خاصة.

 

- ودعوة رابطة علماء الأردن المواطنين إلى تخصيص يوم الخميس المنصرم للصيام، توسلاً إلى الله لنصرة حلب، وتضامناً مع أهالي أحياء حلب الشرقية المحاصرة التي تتعرض لقصف وحشي روسي نصيري منذ أسابيع.

 

- وأما الشعب التركي فقد قام بتسيير قوافل حملة "افتحوا الطريق إلى حلب"، وتجمع آلاف الأتراك قرب معبر تركيا، المقابل لمعبر "باب الهوى" من الطرف السوري، تمهيداً لنقل المساعدات إلى محتاجيها، وفي أوساط بعض المدارس تبرع التلاميذ الصغار بمصروفهم الشخصي لصالح أبناء حلب.

 

- ولا تغيب السعودية عن الحدث، حيث دعا المفتي إلى القنوت في الصلوات، وإلى إغاثة المنكوبين في حلب وسط تفاعل شعبي من خلال القنوت في الصلوات، والتظاهر في قنوات التواصل الاجتماعي بصورة لا تحتاج إلى بيان، ثم الحملة الشعبية لإغاثة الشعب السوري.

 

- ثم موقف بعض أحرار العالم وأبناء الجاليات الذين تظاهروا أمام السفارات الروسية في عدد من بلدان أوربا وآسيا احتجاجاً على القصف البربري لحلب حيث تتعرى روسيا أمام العالم، وتسيطر عليها وعلى سفاراتها حالة أمنية استثنائية خاصة بعد مقتل عدد من دبلوماسييها، ومواقف شعبية أخرى في بلدان عديدة.

 

2 – الدور الإعلامي والخطابي والكتابي:

ظهر ذلك في الكتابات والمقالات، والخطب، والقصائد والبرامج، والتغريدات، والحوارات، فخطباء دول الخليج والأردن في أيام الجمع أبلوا بلاء حسناً، وتفاعل الكُتَّاب تفاعلاً واعياً في مقالات مسددة بمناسبة مأساة حلب، بعضها يكشف ضعف الواقع الإقليمي، وبعضها يهتك أستار السياسة الأمريكية، ومنها ما يفضح حال الجامعة العربية الهزيلة، وبرامج قناة الجزيرة الحوارية وقصائد العشماوي المجلجلة وكذا غيره من الشعراء، وتغريدات كبار المغردين في تويتر وغير ذلك.

 

3 – ازدياد نسبة الوعي في الأمة:

فاستبانة سبل المجرمين من مقاصد القرآن العظيمة، والأحداث الكبرى تعري النفاق وتكشف المنافقين، والتدافع الضخم بين المسلمين والكافرين يكشف السوءات ويبين الثغرات، وحاجة الأمة إلى معرفة المواقف الشرعية من الحدث وفاعلية يستدعي إبراز دور العلماء؛ فهو الدور المنشود، والعلماء اليوم أمام استحقاق تاريخي، ومع إدراك الأمة لأهمية العلماء يكون الأمل في تحقيق دورهم، حيث أضحت الشعوب تتساءل عن دور العلماء، وهذا وعي في الأمة يكشف عن احتياجها وشعور أبنائها بالفجوة التي لا يملأها إلا أهل العلم والرسوخ في الدين والوعي بالواقع، والنصر للأمة لا يكون إلا بعد الوعي، فلو انتصرت قبل الوعي عاد نصرها وبالاً عليها في سهولة اختراقها وزرع الفرقة بين أبنائها وتقاتلها فيما بينها ثم سرقة انتصاراتها، وما انتهى إليه مآل الثورة الجزائرية وجبهة التحرير في الجزائر، ومآل الجهاد الأفغاني وحكومة المجاهدين في كابل عنا ببعيد.

 

سابعاً: المطلوب من المسلمين:

1)    الدور المطلوب من الشعوب:
-    الدعاء، فالدعاء جهاد، وهو العسكر الذي لا يغلب، والجند الذي لا يخذل، وإشاعة شعيرة قنوت النوازل في مساجد المسلمين أمر مطلوب وبشكل عاجل، والدعوة إلى ذلك من قبل الهيئات الإسلامية مسؤولية شرعية.

 

-    الدعم المالي والعيني عبر القنوات المتاحة والمسارعة بحملات إغاثية تواجه النكبة التي تحل بالمهجرين في ظل برد قارس يتساقط فيه الأطفال والكبار صرعى من شدة البرد وعدم توفر مواد التدفئة.

 

2)    إن محرقة حلب لن تكون آخر محارق الصليبيين والباطنيين ضد المسلمين، فلو تمكنوا لأحرقوا أهل الإسلام جميعاً، وليست أيضاً نهاية التاريخ، فلا ييأس أهل الحق ولا يفارقوا حقهم إلى باطلهم، فالأيام دول وبعد الليل يبزغ الفجر فيأتي الشروق ثم تعلو الشمس في كبد السماء، وعِبَر التاريخ القديمة والحديثة شاهدة بذلك، ووعي الشعوب بهذه الحقائق واجب الزمان؛ لتوحيد موقف الأمة ضد أعدائها الحقيقيين.

 

3)    ينبغي أن لا تستغرقنا اللحظة الراهنة عن النظرة التاريخية قبل والمستقبلية بعد، وأن نتعرف على الفرص المتاحة والفجوات الممكنة، وتعمل الأمة عموماً والمصلحون خصوصاً من خلالها.

 

4)    الرجوع إلى الله تعالى: فهو طريق النصر والتمكين للأمة جميعاً، ومن العجب أن المعاصي في عموم الأمة تزيد ولا تنقص، ولا شك أن الأمة قد تؤاخذ ببعض ذنوب أبنائها، أو بسكوت صالحيها، أو بتغيب مصلحيها أو تغييبهم.

 

ثامناً: فقه المرحلة بعد حلب:

1)    مراعاة فقه السياسة الشرعية: حيث تتغير الأحكام وتراعى أحوال الزمان والمكان في التعامل مع الأحداث، وتأتي أحكام الضرورات وحالات الظروف الاستثنائية، وفقه الممكن، والمقدور، في كثير من القضايا، وهذا دور مهم في فهم الواقع وتنزيل الأحكام عليه وإدارة القضية والنازلة ومعرفة مناط التكليف من منظور شرعي، وهو دور علماء الشريعة الراسخين فيها من أهل الديانة والسياسة لأهل الافتئات على الشريعة في القضية السورية كثير.

 

2)    النظر في المستفاد من درس حلب داخلياً، والنظر في هامش الحركة دولياً لتكوين الرأي العام وأساليب تواصل الشعوب، وتكوين جبهات عالمية من أحرار العالم ضد الاستكبار والظلم والبغي من دول الأمن الكبرى، ثم أهمية الوعي بأعراض المشكلة وأساس الداء، فما يعاني منه أهل الشام قد ينشأ عند غيرهم لو مروا بظروفهم، ولا بد من العبرة والعظة والأخذ بالأسباب والعمل على تفادي الأخطاء والصراعات التي نتجت عن واقع سوريا سابقاً.

 

3)    ما يحصل في حلب وفي سوريا من نكسات ومآسٍ هو انعكاس لواقع الأمة بسبب ابتعادها عن شريعة ربها، والركون إلى الدنيا، والركوب في قوارب الظالمين فكراً وسياسة، وأيضاً هو أثر من آثار الاستبداد السياسي والديكتاتورية القسرية على الشعوب، وسياسة: "فرق تسد"، وتجهيل المجتمعات بواقعها وإشغالهم بأنفسهم ولقمة عيشهم عن مطالبهم الإصلاحية ومواقفهم الاحتسابية، واستسلام الشعوب لذلك واستغفالها في ذلك.

 

4)    إن ما حصل بحلب بين الفصائل من تنازع واختلاف هو انعكاس لحال الفصائل خارج حلب، وحال الفصائل خارج حلب هو انعكاس لحال الأمة شعوباً وحكومات، وكثير من جالدي الفصائل هم جزء من المشكلة، وكثيرون يمارسون وصاية عليهم بسبب دعم مادي أو علاقة رسمية أو أمنية، ثم إن البعض يصدر أحكاماً ومواقف تجاه الثورة وفصائلها وعينه على المواقف السياسية الرسمية بسبب الاستبداد السياسي والأمني، والبعض يصدر الموقف وقصده تحسين صورته وتبرئة نفسه وتزكية صفحته أكثر من مراعاة حقوق القضية، وكثيرون ينطلقون من مواقف مؤدلجة سابقاً، فالاستقطاب بصوره المختلفة يملأ الساحة السورية، وعليه فاتخاذ الثورة مراجع شرعية وسياسية من داخلها خير من التشتت بين المرجعيات الداخلية والخارجية، وتوحيد هذه المرجعيات سيكون مقدمة ضرورية لتوحيد فصائل الثورة.

 

5)    لا يأس ولا قنوط، فمن دروس التاريخ أن معركة حطين وكذا عين جالوت جاءتا بعد انهيار دولة الإسلام وقد أيس الناس واستحكم الوهن، فأعيد الأمل في الأمة ونبتت فسائلها من جديد، وكذا كثير من مثلها من الوقائع، وفي التاريخ المعاصر: ما جرى في قلعة جانجي بأفغانستان، وثورة السوريين ضد الفرنسيين وكذا الجزائر، وثورة الخطابي ضد أسبانيا، وجهاد الصوماليين مع القائد البطل السيد محمد حسن الملا ضد بريطانيا وحلفائهم من الطليان والأحباش سابقاً، وطردهم للأمريكان في عملية إعادة الأمل الأمريكية في الصومال لاحقاً، وكفاح الشعب الأفغاني والعراقي ضد المحتلين الأمريكان وحلفائهم، وغيرها من الثورات التي أقَّضت مضاجع جيوش جرارة وأعاقت مسيرها وخططها مع الفارق الهائل في ميزان القوى.

 

6)    إن الأمة رغم النكبات هي اليوم أقوى بكثير منها في عديد من محطات التاريخ، وما هذه التحالفات الدولية والإقليمية الضخمة ضد أهل الإسلام إلا دليل على أمة قادرة على المقاومة، وإلا فالضعيف أهون من أن تجتمع عليه تحالفات كهذه، ومن ذلك عدم قدرة إيران والنظام السوري وميليشياتهم على الصمود في وجه الثورة إلا بدعم روسي، وتعرقل المشروع الإيراني برغم التواطؤ الأمريكي والروسي.

 

7)    مما تكشفه أحداث حلب خاصة والشام عامة: أن الحرب على الإسلام عموماً وأهل السنة خصوصاً هو المتفق عليه عند اليهود والنصارى والشيوعيين والشيعة بجميع فصائلهم، وقد سبقت واقعة أعظم من هذه على حلب حين دخل تيمور لنك وقتل وسفك وأنشأ تلة عظيمة من رؤوس أهلها، وحديثاً جرت عمليات تهجير وإجلاء ودك وحرق عديدة في القصير وفي حمص وفي الزبداني وغيرها، كلها تستهدف أهل السنة، وهذا يزيد الأمر يقيناص بأهمية سلامة المنهج رغم وعورة الطريق، حيث: {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} [البقرة:217] فتكالب الأرض كلها على الأمة الإسلامية عبر القرون وإلى عصرنا هذا رغم ما أصاب أمة الإسلام من الضعف ومن الافتراق وغياب الرأس الجامع، ومع ذلك لم ينته الإسلام ولم يفْنَ المسلمون، فلو حوربت أي أمة أو ملة بعشر معشار ما حوربت أمة الإسلام لسرعان ما تلاشت وانتهت، فهذه قوة في الإسلام لا تضعف ولا تخور، وقد جاء في حديث عند (حم) أن من خصائص هذه الأمة أنها منصورة بالرعب، وحديث الطائفة المنصورة معلم من معالم التفاؤل واستحضار صور النصر الملازمة للأمة.

 

تاسعاً: الموقف السياسي (بعد حلب):

هناك متغيرات في الواقع الميداني والسياسي، فتغير ميزان القوى النسبي بعد التدخل الروسي وموقف تركيا بعد الانقلاب، والتغير في علاقاتها الدولية ستستثمره روسيا وإيران لتغيير بوصلة مآل الثورة، فما يطرح الآن:

أ – الرؤية الإيرانية والميليشيات والنظام: هي الاستمرار في القتال حتى هزيمة الثورة السورية واستعادة المدن عن استطاعوا.

 

ب – الموقف الروسي والتركي: هو هدنة شاملة في سوريا ثم الدعوة إلى مفاوضات سياسية، وقد تستنسخ التجربة العراقية لاحقاً، ويبقى بعد ذلك موقف بعض الفصائل وموقف النظام وإيران وموقف قوى أخرى خارجية لها امتداد داخلي كأمريكا.

 

وأي الموقفين اتجهت له الأحداث أو سواهما فاليقين عندي أن النظام المجرد الطائفي القاتل من أحداث حماه وإلى الآن أنه سيزول، وسيكون من مخلفات التاريخ في يوم ليس ببعيد، وسيلحق به المشروع الطائفي الإيراني، وإن شعباً يؤتى برجل منه وتحفر له حفرة والرشاش على رأسه، ويقال له: قل لا إله إلا بشار، فيقول: لا إله إلا الله، ثم يقتل في الحفرة ما يصده ذلك عن دينه، والشعب الذي يردد الكلمة التوحيدية: ما لنا غيرك يا الله، لا يمكن أن يخيب الله رجاءه، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

 

_____________________________________

(1)    رواه البخاري برقم (7405)، ومسلم برقم (6981).
(2)    حسن الظن بالله لابن أبي الدنيا (ص96).
(3)    رواه مسلم برقم (7440).
(4)    رواه البخاري ومسلم، واللفظ للبخاري برقم (5318).
(5)    أخرجه أحمد برقم (15634)، وقال الأرنؤوط: إسناده صحيح؛ رجاله رجال الشيخين غير صحابيه.
(6)    أخرجه الحاكم في المستدرك (4/555)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
(7)    رواه الترمذي برقم (2229) وصححه الألباني، وأصله في الصحيحين.

6 + 9 =