تعزيز الدور المجتمعي في مواجهة التغريب
10 ربيع الثاني 1438
د. عبد الله بن عبد الرحمن الوطبان

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد.

فقد شهدت نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين الميلاديَّين واحدة من أشرس الحملات الصليبية على بلاد المسلمين، ولست أعني بذلك الاستعمار الغربي وتمزيق أوصال الخلافة العثمانية واقتسام تركتها بين الدول المستعمِرة، وإنما أعني ما صاحب ذلك من غزو فكري وحملة تغريبية واسعة النطاق شديدة الفتك.

 

وإنما قلتُ إنها من أشرس الحملات لأن ما سبقها من حملات صليبية كان أثرها على عامة الأمة -في الغالب-ماديًا بحتًا؛ يقتصر على ما يقع من إزهاق الأنفس المسلمة، التي نرجو أن تكون نالت الشهادة، أو دمار بعض البلاد، التي سرعان ما تُبنى من جديد، أو احتلال بعضها الآخر، ثم ما يلبث المسلمون أن يستعيدوها، أما هذه الحملة الأخيرة فقد تجاوز تأثيرها كل ما سبق، حيث راح يفتك بعقول كثير ممن تأثر بها، ويأسر قلوبهم، ويغير قناعاتِهم وأفكارَهم، ويهز معتقداتِهم، ويَحرِفَهم عن دينهم،ويبدل سلوكياتِهم.

 

وقد كان من أعظم وسائل هذا الغزو في بداياته أمران: المدارس العصرية التي أنشأها الاستعمار وكان يقوم على شؤونها مستشرقون وقساوسة،ورحلات الابتعاث العلمي التي بدأها محمد علي في مصر، بإرسال النابهين من أبنائها لأوروبا لتلقي العلوم العصرية؛ فتغيرت ثقافات كثير ممن ابتعثوا للغرب أو درسوا في تلك المدارس، وانبهروا بالحضارة الغربية، وتمردوا على تعاليم دينهم وقيم قومهم، فصدق عليهم قول الشاعر:

أَتاني هواها قَبْلَ أَنْ أَعْرِفَ الهوى *** فصادفَ قلباً خالياً فتمكنا

 

ولو أنهم اكتفوا بأخذ ما لدى الآخرين من علوم مادية تُصلِح واقع المسلمين ومعاشهم، لشددنا على أيديهم وأيدناهم وشجعناهم، لكنهم أرادوا أخذ كل ما في تلك الحضارة من غَثٍّ وسمين ونقله لبلاد المسلمين، حتى دعا داعيهم إلى: "أن نسير سيرة الأوربيين ونسلك طريقهم لنكون لهم أندادًا، ولنكون لهم شركاء في الحضارة، خيرِها وشرها(!)، حلوِها ومرها(!)، وما يُحَبُّ منها وما يُكرَه(!)، وما يُحمَد منها وما يُعاب(!)"(1). ثم يبين وسائل تحقيق الاستقلال العقلي والنفسي والعلمي والأدبي بقوله: "وسائله أن نتعلم كما يتعلم الأوربي، لنشعر كما يشعر الأوربي، ولنحكم كما يحكم الأوربي، ثم لنعمل كما يعمل الأوربي ونُصَرِّفَ الحياة كما يصرفها"(2).

وليت شعري، إن كانت هذه وسيلة تحقيق الاستقلال، فما هي وسيلة الخلود للتبعية إذًا؟!

 

وإن من الطوام أنَّ هؤلاء لم يقف ضررهم عند أنفسِهم، بل تعداه لمجتمعاتهم، لأنهم تقلدوا فيها مناصب مؤثرة، كان أخطرها في التعليم والإعلام، فمثلًا؛ طه حسين صاحب الكلمات السابقة كان وزيرًا للمعارف (التربية والتعليم) في مصر في أربعينيات القرن العشرين، والأدباء والمفكرون وكتَّاب الصحف والمجلات في عصرها الذهبي كان كثيرٌ منهم من هؤلاء، أو ممن تأثر بهم.

 

نتائج الحملة التغريبية:

لا شك أن هذه الحملة قد حققت كثيرًا من النجاحات، وأن آثارها تظهر بوضوح في كثير من البلاد الإسلامية، وإن كان الأمر يتفاوت من بلد إلى بلد، لكنَّ هذا لا ينبغي أن يكون مُحبِطًا للصالحين والمصلِحين، ولا أن يُشعرَهم باليأس ولا بالهلع، فإن هذا الدِّين منصورٌ، ظاهرٌ من نصره على من خالفه إلى يوم الدين، وإنما الشأن كل الشأن، هل نكون ممن نصره أم ممن قعد عن العمل وجلس يبكي على اللبن المسكوب؟

 

هذا بالنظر للأمر نظرة إيمانية، أما إن نظرنا إلى الواقع فإن هذه النجاحات -وإن كانت موجودة- إلا أنها تحمل في طياتها حقائق فشل وخيبة، لأكثر من سبب، منها:

-أنه بالمقارنة مع ما أُنفِق عليها من جهود وأموال ومؤامرات، بل ما استخدمت فيه من أدوات بطش في بعض البلاد كتركيا زمن أتاتورك مثلا، فإن النتائج أقل بقليل مما أُنفق، وصدق الله: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ} [الأنفال: 36].

 

- أن ظهور الصحوة في العالم الإسلامي قبل عقود قليلة، أدى لاستعادة كثير من المساحات التي خسرتها مجتمعاتنا لصالح المشروع التغريبي، وأدى لإبعاد كثير من الناس عن دائرة تأثير التغريب.

 

- أننا نلمس حالة مشجعة من تنامي الوعي المجتمعي بخطورة التغريب على الدين وعلى مستقبل البلد ووحدته ووجوده، وهو ما يظهر أثره بقوة في وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام الجديد عندما يبرز حدث أو قول من رموز التغريب يناقض عقيدة الناس أو دينهم وقيمهم الراسخة الأصيلة.

 

- أن مدافعة هذه الحملة والتصدي لها لم تقف يومًا من الأيام، وهذا دليل حياة الأمة وحيويتها.
لكن هذا لا يعني الاطمئنان والخلود للراحة، ولا يعني أن المواجهة انتهت، ولا أن المشروع التغريبي هُزِم، بل إنه من أخطر المشاريع التي تواجهها الأمة اليوم، وهو يكسب أراضٍ جديدة كما يخسر غيرها، فلا بد من شحذ الهمم للتصدي له، إذ الحرب بين الحق والباطل سِجال، والأيام دُوَل.

 

أسباب نجاحات الحملة التغريبية:

من المفيد عند الكلام عن التصدي للتغريب أن نتعرف على أسباب النجاحات التي حققها، وسوف نمر على بعضها سريعًا بما يناسب المقام، وإلا فإن الأمر لا يتسع له هذا المقال. فمن أهم هذه الأسباب من وجهة نظري:

- أنَّ هذه الحملة مدعومةٌ بإمكانات مادية وبشرية هائلة، تقف خلفها دول غربية ومؤسسات مالية ومنظمات وجماعات مصالح متعددة.

 

- تبني بعض الدول والحكومات والأنظمة لهذه الحملة وإصدار القوانين والقرارات المحققة لأهدافها.

 

- ضعف مواجهة الحملة بما يكافئ قوتها، وخصوصًا على مستوى العمل الاحتسابي المباشر.

 

- أن للحملة دعاة ومروجين من بني جلدتنا، بل بعضهم يصل لمناصب مهمة كما مر، وكثير منهم يزاول مهنة الإعلام فيكون له تأثير كبير على جمهور عريض.

 

- أن كثيرًا من المشاهير ورجال السياسة والاقتصاد والأدب وغير ذلك يتبنون هذا الفكر ويدعون له.

 

- طول مدة الحملة، حيث بدأت كما أسلفنا من أواخر القرن التاسع عشر الميلادي.

 

- أنها متداخلة مع مظاهر التقدم العلمي والتقني والمادي في الغرب، فيصعب على كثير من الناس الفصل بين الجانبين، وأخذ ما ينفع مما لا حرج في أخذه ولا تعارض له مع الدين والثوابت، وترك ما كان بخلاف ذلك.

 

- أن دعوة التغريب في كثير من المجالات تحاكي شهوات النفوس، وتحقق للناس ما يطمحون إليه من التلذذ والتمتع بمتاع الحياة الدنيا، ويصعب على كثير منهم التمييز بين ما يحل من ذلك وما يحرم، ويصعب على بعض من يميز أن يكف نفسَه عن شهواتها المحرمة.

 

التصدي للتغريب بين طريقتين:

إن مظاهر التغريب في عصرنا كثيرة ومتعددة، وآثاره السلبية كثيرة كذلك، وأعظم آثاره السلبية تنال العقيدة والفكر والسلوك والأخلاق، وعدم مواجهته والتصدي له مؤذن بتدمير النسيج الاجتماعي كما نرى في بعض البلدان.

 

ولهذا فمنذ بدأت حملة التغريب قام في الأمة من يتصدى لها ويقاومها ويناجزها ويظهر حقيقتها ويحذر منها، وكانت البداية من علماء الدين ودعاته، وبعض الكتاب والمفكرين الغيورين على الدين والأمة ممن لم تتلوث عقولهم، ولا وقعوا ضحايا لعقدة النقص أمام المستعمِر، أو عانَوا من الهزيمة النفسية أمام تقدمه المادي، أي أن المقاومة بدأت من النخب.

 

وطوال عقود تالية يمكن القول إن المعركة بقيت بين النخب؛ ينفث دعاة التغريب سمومهم في المجتمع، ويقوم الدعاة والمفكرون والمصلحون بالرد عليهم والتحذير منهم، وساحة المعركة هي الجمهور المتلقي، فمن شاء الله له السلامة حفِظَه، ومن شاء له غير ذلك اتبع التغريبيين ووقع فريسة دعاياتهم.

 

هذه الطريقة النخبوية قد نجد لها تفسيرًا فيما مضى من زمن، في ظل الإعلام القديم، حيث هناك مرسل في جهة، كاتب أو مذيع أو صحفي أو خطيب، ومستقبل في الجهة المقابلة، هو الجماهير العريضة، أما في ظل الإعلام الجديد ومواقع التواصل الاجتماعي، حيث صار كل فرد من أفراد العالم الافتراضي مرسِلًا ومستقبِلًا في الوقت نفسِه، فإن استمرار هذه الطريقة لا يمكن تفسيره، فضلًا عن تبريره، لأنه خطأ استراتيجي يهدر كثيرًا من الفرص، ويضيع كثيرًا من الجهود التي يمكن توظيفها لمحاربة التغريب.

 

نحن اليوم في معركتنا مع التغريب -بل في كل المعارك بين الخير والشر والحق والباطل- بحاجة للانتقال من طريقة المدافعة بالنخب إلى المدافعة عبر هيئات المجتمع وأفراده، بشرائحهم المختلفة، ومستوياتهم العلمية والاجتماعية والعمرية المتعددة؛ وهذا لا يعني أن النخب لن يكون لها دور، بل دورها سيكون هو التوجيه والإرشاد، وتبصير الناس بما قد يخفى على بعضهم، وشحذ الهمم، وحشد الجهود والطاقات، وزيادة التوعية بخطورة التغريب، وتوسيع رقعة انتشار الوعي بذلك، وبدل أن يتحمل العشرات أو المئات من النخب عبء المواجهة وحدهم، يحمل همَّ المواجهة عشرات الألوف بل مئات الألوف والملايين.

 

من فوائد التصدي المجتمعي -لا النخبوي- للتغريب:

تحويل عملية التصدي للتغريب من الطريقة النخبوية للطريقة الجماهيرية المجتمعية يحقق كثيرًا من الفوائد، منها على سبيل المثال:

- تحصين المشاركين في عملية التصدي للتغريب من الوقوع في براثنه، حيث تصير لديهم مناعة ضده.

 

- توسيع دائرة التوعية والتحذير من التغريب، بسبب اتساع دائرة المرسِلين لرسائل التحذير.

 

- إضعاف التغريبيين وإشعارهم بأنهم فئة قليلة منبوذة، وهذا مبني على كون المجتمعات المسلمة -بالجملة- محبة للدين والخير، ولا تحتاج للمشاركة في التصدي للتغريب إلا لمن يبصرها بشروره.

 

- ردع بعض التغريبيين عن التصريح والدعوة لأفكارهم خوفًا من رد فعل المجتمع، حيث سيتعظون بما وقع من هبة المجتمع في وجه من سبقهم لذلك.

 

- شد أزر المحتسبين من النخب وحمايتهم من حملات الطعن والتشويه وغيرها.

 

وسائل تعزيز هذا الدور المجتمعي:

هذه الوسائل متعددة، وهي محل اجتهاد فلا أدعي أن المذكور هنا يحيط بكل الوسائل، وإنما هي أمثلة فحسب، فمنها:

- الإكثار من رسائل التوعية ونشرها على أوسع نطاق وبطرق متعددة مبتكرة، والاستفادة المثلى من وسائل التواصل الاجتماعي، وحض الناس على المشاركة.

 

- العناية بالوعظ والإرشاد والبرامج التربوية، لما لها من أثر بالغ في تعزيز الوقاية وزيادة المناعة الذاتية لدى الأفراد.

 

- استغلال الفرص التي تتاح عبر جهات التغريب نفسِها لفضحها (كالـمُداخَلة أو المشاركة في البرامج في القنوات التغريبية مثلًا).

 

- مد جسور التعاون مع كافة شرائح المجتمع لإزالة الحواجز المصطنعة بينهم وبين الدعاة والمحتسبين.

 

- التواصل مع الوجهاء (رسميين/تجار/كتاب/...) الذين يرجى منهم رفض التغريب، للمشاركة في التصدي له.

 

- إبراز المشتركات بين العاملين لمواجهة المشروع التغريبي والتركيز عليها.

 

- تشجيع مشاهير الشباب في وسائل التواصل ممن لديهم فطرة سليمة في الجملة -وإن كنا لا نرضى عن بعض أفعالهم- على المشاركة في الاحتساب على التغريب.

 

- تحميل المجتمع مسؤولية التصدي للتغريب، وأن كل فرد هو على ثغر يناسب قدراته واهتماماته.

 

- الاهتمام بقطاع المرأة والشباب، وتنشيط دورهم في مواجهة التغريب عبر المحفزات المختلفة، حيث إن النساء والشباب من أكثر الشرائح المستهدفة في المشروع التغريبي.

 

- فضح بؤر ومنابر التغريب المجاهِرة بالدعاية له ونشر قيمه، والتشهير بها والتحذير منها.

 

- بيان أثر التغريب السيئ على واقع الناس وضرب الأمثلة الفردية والعامة من واقع المجتمعات الأخرى.

 

وقى الله المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها شر الأشرار وكيد الفجار، والله المستعان وعليه التكلان.

 

______________________________________

(1)     مستقبل الثقافة في مصر، طه حسين، دار المعارف، الطبعة الثانية، 1996، ص: 39.
(2)     السابق، ص: 41.

9 + 1 =