إقامة الرجل غيره من مجلسه ليقعد فيه
20 ربيع الثاني 1438
د. عبد الرحمن القرني

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. وبعد.

 

الأحاديث الواردة في النهي عن إقامة الرجل غيره من مجلسه ليقعد فيه

  1. عن جابر رضي الله عنه قال‏:‏ ‏(‏قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏:‏ « لا يقيم أحدكم يوم الجمعة ثم يخالفه إلى مقعده ولكن ليقل افسحوا‏ »‏‏. رواه مسلم‏([1])‏‏.‏
  2. وعن ابن عمر رضي الله عنهما:‏ ‏(‏عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن يقام الرجل من مجلسه ويجلس فيه ولكن تفسحوا وتوسعوا ‏)‏‏. ‏متفق عليه‏([2]).‏‏  ولمسلم‏:‏  ‏(‏كان ابن عمر إذا قام له رجل من مجلسه لم يجلس فيه‏)‏‏([3]).‏

 

حكم إقامة الرجل غيره من مجلسه ليقعد فيه

 

هذه الأحاديث تفيد النهي عن أن يقيم الرجل غيره ليجلس مكانه وقد جاء النهي بصيغة النفي في الحديث الأول.

قال العثيمين: والنفي هنا بمعنى النهي وإذا جاء النفي بمعنى النهي فهو أبلغ في الزجر عنه لأن التقدير أن هذا أمر معلوم بحيث صار سجية وطبيعة بأن الإنسان لا يقيم غيره وظاهر كلام المؤلف أنه لا يقيم أخاه الصغير ولا ابنه ولا الصبي الصغير لعموم قوله وليس لأحد أن يقيم غيره ويجلس مكانه وهذا حق أنه لا يجوز أن يقيم الإنسان غيره ويجلس مكانه مهما كان هذا الغير. ا.هـ([4]).

وحديث جابر بن عبدالله رضي الله عنهما يدل على أن النهي يوم الجمعة وقد بوب البخاري ما يفيد ذلك فقال: لا يقيم الرجل أخاه يوم الجمعة ويقعد في مكانه([5]).

إلا أنه أورد بعد حديث ابن عمر رضي الله عنهما في الباب نفسه.

قال ابن جريج: قلت لنافع: الجمعة؟ قال: الجمعة وغيرها.

ولا أعلم من حمل المطلق على المقيد هنا من العلماء، وإيراد البخاري لاستشكال ابن جريج ورد نافع عليه ظاهر في هذا.

وقد اختلف العلماء في حكم إقامة الرجل غيره ليجلس مكانه وما يفيد النهي الوارد في ذلك على قولين:

القول الأول:

أن النهي للتحريم وإليه ذهب المالكية([6]) وهو القول الصحيح عند
الشافعية([7]) والرواية المشهورة عند الحنابلة([8]) واختاره ابن حزم من الظاهرية([9]).

القول الثاني:

أن النهي للكراهة وهو قول عند الشافعية([10]) ورواية عند الحنابلة([11]).

أدلة الأقوال مع المناقشة والترجيح:

استدل أصحاب القول الأول بالحديثين في المطلب الأول.

  1. حديث جابر رضي الله عنه قال‏:‏ ‏(‏قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏:‏ « لا يقيم أحدكم يوم الجمعة ثم يخالفه إلى مقعده ولكن ليقل افسحوا ».‏‏  
  2. وعن ابن عمر رضي الله عنهما:‏ ‏(‏عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن يقام الرجل من مجلسه ويجلس فيه ولكن تفسحوا وتوسعوا‏)‏‏. ‏متفق عليه

ووجه الدلالة من الأحاديث:

أنها تفيد النهي وهو للتحريم أصالة إلا إذا صرفته قرينة([12]).

  1. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ ‏(‏قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏:‏ « إذا قام أحدكم من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به‏ »‏‏.‏ رواه ومسلم‏([13]).
  2. وعن وهب بن حذيفة رضي الله عنه:‏ ‏(‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ « الرجل أحق بمجلسه وإن خرج لحاجته ثم عاد فهو أحق بمجلسه‏ »‏‏. ‏رواه أحمد والترمذي وصححه([14]).‏‏‏

ويمكن أن يقال في وجه الدلالة من الحديثين:

أن لفظة (فهو أحق) تدل على أن هذا المكان صار من اختصاص من سبق إليه؛ فلا يجلس فيه غيره حتى يفارقه صاحبه الأول مفارقة يعرف منها عدم عودته للمكان، أو أنه يتنازل عنه بطيب نفس منه، وقد جاء في الحديث(من سبق إلى مباحٍ فهو أحقّ به)([15]).

أدلة القول الثاني:

استدل أصحاب هذا القول بالأدلة نفسها إلا أنهم قصروا الحكم فيها على الكراهة، ولم أجد لهم صارف ذكروه

الراجح:

الراجح مما سبق هو التحريم لصراحة الأدلة وعدم وجود ما يعارضها.

 

([1]) رواه مسلم. السلام، باب تحريم إقامة الإنسان من موضعه المباح الذي سبق إليه(30)(2178).

([2]) رواه البخاري. الاستئذان، باب إذا قيل لكم تفسحوا في المجلس فافسحوا يفسح الله لكم وإذا قيل انشزوا فانشزوا الآية (6269)، ومسلم. السلام، باب تحريم إقامة الإنسان من موضعه المباح الذي سبق إليه (27) (2177).

([3]) الموضع السابق (29) (2177).

([4]) تعليقات العثيمين على الكافي(2/229) –ترقيم الشاملة-.

([5]) كتاب الجمعة باب رقم (20).

([6]) شرح ابن بطال المالكي على صحيح البخاري(2/503)، البيان والتحصيل(17/132).

([7]) المجموع (4/420)، شرح النووي على صحيح مسلم(14/162).

([8]) المبدع (2/174-177)، كشاف القناع(2/44). فقد جزما بالتحريم. وقال في المستوعب(3/40): ولا يجوز.

        قال في الإنصاف (2/214): وهو المذهب صرح به في المذهب، والمستوعب. ا.هـ. فعلى ذلك تكون عبارة لا يجوز صريحة في التحريم.

([9]) المحلى (2/385) وعبر بعدم الجواز وظاهره يفيد التحريم.

([10]) الحاوي الكبير(3/73).

([11]) الإنصاف(2/214).

([12]) قال صديق حسن القنوجي في (عون الباري لحل أدلة صحيح البخاري) –وهو شرح لمختصر الزبيدي-عند شرحه لحديث رقم(508): وظاهر النهى التحريم فلا يصرف عنه إلا بدليل.

([13]) رواه مسلم.السلام، باب إذا قام من مجلسه فهو أحق به(30) (2179).

([14]) رواه أحمد (3/422)، والترمذي.كتاب الأدب، باب ما جاء إذا قام الرجل من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به(2715) قال الترمذي: هذا حديث صحيح غريب.

        وصححه الألباني في صحيح الجامع (3544).

([15]) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وإنما بلفظ: « من سبق إلى ما لم يسبقه إليه مسلم فهو له » أخرجه أبو داود في السنن.الخراج والإمارة والفيء، باب إقطاع الأرضين(3071)وعن طريقه البيهقي في السنن الكبرى 6/142. قال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير 3/63: (قال البغوي: لا أعلم بهذا الإسناد غير هذا الحديث، وصححه الضياء في المختارة). وقد ضعّفه الألباني، كما في الإرواء 6/9-10، وضعيف سنن أبي داود.

11 + 7 =