إلى الله .. فلنعد
29 ربيع الثاني 1438
د. خالد رُوشه

أفضل لحظات الحياة عند المؤمنين هي لحظات شعورهم بتمام الضعف والفقر بين يدي ربهم ، عندها يتبرؤون من كل قدرة لأنفسهم أو لغيرهم، وتُردد قلوبهم مع جوارحهم وألسنتهم: لاحول ولا قوة إلا بالله ، فيذكرون ذنوبهم ، فيندمون عليها اشد الندم ، وينطرحون بين يدي مولاهم خاشعين نادمين باكين يرجون رحمته ويخافون عذابه ،  " اللهم انقطعت السبل إلا إليك، وانقطع الرجاء إلا منك، وانقطع الأمل إلا فيك، ولا حول ولاقوة إلا بك سبحانك "  ، فيعمهم بالسكينة وينعم عليهم بالطمأنينة ، فيطمئن القلب، ويهدأ الجسد، وتذهب المخاوف... ثم تزول الهموم، وتنير البصائر، وينقلب العسر يسرا.

 

 

لحظات تزن الدنيا بأجمعها ، تزن عمر المرء كله ، قد تثقل بكل لحظات السعادة التي مرت به ، وتفضل عن كل مواقف الإنجاز التي حققها ، إنها لحظة التوبة والأوبة والندم على الذنب والعهد على الاستقامة ..

 

 

إن الدنيا بكل ما فيها سوداء مظلمة ، همومها ثقيلة ، وحوادثها كئيبة ، لا نور فيها إلا نور الرسالة الإيمانية ، ولا سعادة فيها إلا ماكان في ظل رضا الله سبحانه وتوفيقه ، بل لا إنجاز يزن قيمة إلا إنجازا يرتضيه الله سبحانه ..

 

 

والربانيون يعيشون حياتهم مع الله وبالله ، يستبصرون بهداه ، ويصلحون الحياة بمنهج الاستقامة ، ويتعلمون العلم ويرتقون بالحياة عن طريقه عبر منهج إيماني سامق .

 

 

إنها دقائق إذن غالية بكل معنى ، ثمينة بكل لغة ، بل هي مختصر الحياة لكل مؤمن ومرتكز سيره وخطواته .

 

 

أقول ذلك لكل من أذنب ذنبا يراه ثقيلا ويستحيي أن يلقى الله به , ويخشى عذابه , وإلى كل من ظلم نفسه بالتقصير في طاعة الله سبحانه وارتكاب الآثام ثم أراد أن يعوض مافاته ويرجو المغفرة , وإلى كل من سقط سقطة ذنب آلمه اثرها فيبحث عن الإنابة والعودة , إلى كل من أحرق الندم قلبه أتحدث ..

 

 

قال الله سبحانه : " قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لاتقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم "

فلم تقنط ياايها العائد ؟! ولم تشعر أن ذنوبك أكثر من أن يغفرها الله ؟!

 

 

انظر إلى جميل عفوه سبحانه وواسع مغفرته : (يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا ابن آدم لو أنك أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة) أخرجه الترمذي

 

 

وانظر إلى فعل التوبة الصادقة في الذنوب، كما يقوله صلى الله عليه وسلم: (التائب من الذنب كمن لا ذنب له) أخرجه ابن ماجه وحسنه الألباني

 

 

وعن أبي بكر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من رجل يذنب ذنبًا ثم يقوم فيتطهر ثم يصلي ركعتين ثم يستغفر الله إلا غفر الله له) اخرجه أصحاب السنن

 

 

وقال صلى الله عليه وسلم: (إن مثل الذي يعمل السيئات ثم يعمل الحسنات كمثل رجل كانت عليه درع ضيقة قد خنقته ثم عمل حسنة فانفكت حلقة، ثم عمل أخرى فانفكت الأخرى حتى يخرج إلى الأرض) صحيح الجامع

 

 

وقال صلى الله عليه وسلم : (إن للتوبة بابًا عرض ما بين مصراعيه ما بين المشرق والمغرب لا يغلق حتى تطلع الشمس من مغربها) صحيح الجامع

 

 

وفي الحديث القدسي: (يا عبادي، إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعًا فاستغفروني أغفر لكم) رواه مسلم

 

 

 

يسقط البعض في الظن السىء بربه أنه لايغفر الذنب ، أو يغيب عنه اليقين بسعة عفوه ..! ،، فالثقة في رحمة الله باب التوبة ، ومعرفة صفات الله سبحانه مدارها , واعلم أن ربك العظيم الرحيم قادر على مغفرة جميع الذنوب , ففي الحديث القدسي الصحيح : (من علم أني ذو قدرة على مغفرة الذنوب غفرت له ولا أبالي ما لم يشرك بي شيئًا) الطبراني – صحيح الجامع

 

 

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره وقد أضله في أرض فلاة) متفق عليه

 

وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله تعالى يبسط يده في الليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها) أخرجه مسلم

 

لكن احذر ياايها النادم التائب ، فلابد للتوبة كي تكتمل من عمل صالح، فكما أنها ترك لما يكره سبحانه فإنها فعل لما يحب سبحانه، وكما أنها تخل عن معصية فإنها تحل بطاعة ، لذا قرن الله سبحانه في آيات كثيرة بين التوبة والعمل الصالح .

 

 

فلا تحقر ذنبًا أو تستصغره , فعن أنس رضي الله عنه قال: "إنكم لتعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر، كنا نعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات" البخاري

 

كذلك فإن الأحوال تصدق الأقوال أو تكذبها، ولكل قول شاهد من صدق أو كذب من حال قائله , قال الحسن: "ابن آدم، لك قول وعمل، وعملك أولى بك من قولك، ولك سريرة وعلانية، وسريرتك أملك بك من علانيتك...".

 

 

فإذا هداك الله إلى توبة قلبية مخلصة , فاحذر الذنوب , واحذر أن تحترق بنارها مرة أخرى , واذا ما زلت بك قدمك فسارع بالاستغفار فورا , وبالعمل الصالح , قال صلى الله عليه وسلم " واتبع السيئة الحسنة تمحها " .. وكان يحيى بن معاذ يقول: زلة واحدة بعد التوبة أقبح من سبعين زلة قبلها.

 

 

و سئل سفيان بن عيينة: ما علامة التوبة النصوح؟ فقال: "أربعة أشياء: قلة الدنيا، وذلة النفس، وكثرة التقرب إلى الله بالطاعات، ورؤية القلة والنقص في ذلك" ، وكان عمر بن الخطاب يقول: "جالسوا التوابين فإنهم أرق أفئدة " ..

 

1 + 0 =