منهج النفوس الكبار
3 جمادى الأول 1438
د. خالد رُوشه

المنهج الإسلامي يربي النفوس البشرية لتكون نفوسا كبارا ، همتها العالية تكاد تطول عنان السماء ، عزتها الإيمانية راسخة بقلوبها رسوخا متجذرا ..

 

إنه يبني نفوسهم بناء البروج الشامخة ، لبنة من عزة ، وأخرى من طموح ، فيبث في نفوسهم كونهم يقفون في طابور الذين أناروا العالم بنور الحق والصواب والخير والهدى ، إنه طابور يقف في بدايته الأنبياء الأكرمون عليهم السلام والصالحون والعظماء ..

 

لطالما دعا النبي صلى الله ليه وسلم ربه بالإمامة في الدين ، وعلم أمته أن يحجزوا لأنفسهم دوماً أماكن في مقدمة الركب الرباني المضىء ، قال سبحانه – على لسان إبراهيم عليه السلام ـ " واجعلنا للمتقين إماماً " , قال البخاري : "أئمة نقتدي بمن قبلنا ويقتدي بنا من بعدنا" ..

 

وقال الحسن البصري : "من استطاع منكم أن يكون إماماً لأهله، إماما لحيه، إماماً لمن وراء ذلك، فإنه ليس شيء يؤخذ عنك إلا كان لك منه نصيب".

 

يقول السعدي : أي: " أوصلنا يا ربنا إلى هذه الدرجة العالية؛ درجة الصديقين والكمَّل من عباد الله الصالحين، وهي درجة الإمامة في الدين، وأن يكونوا قدوة للمتقين في أقوالهم وأفعالهم؛ يُقتدى بأفعالهم، ويطمئن لأقوالهم، ويسير أهل الخير خلفهم، فيهدون ويهتدون "

 

 

إنها إمامة لا يقتصر طموحها على حدود الإصلاح في الدنيا وحسب , بل إنها تتعداه إلى الخلود في جنات الآخرة ..

 

هذه النفوس الكبار قد خطت لنفسها خططا لنيل أعلى الدرجات ، وبلوغ أقرب المكانات من رضوان ربها سبحانه ، فلم تكن خطتها لحياتها خطة زائلة تنتهي بنهاية أعمارهم أو تتلاشى بتلاشي قدراتهم الصحية أو المادية ، بل كانت حياتهم خطة للإصلاح الروحي والمنهجي والتربوي والاجتماعي الكامل ، الذي يبدأ من حيث بدؤوا ويبقى بلا حدود ..

 

لم تكن نفوسهم تنشغل بالفاني الراحل ، ولا بالزينة والزخرف ، ولا في الظهور ومراءاة الناس ، ولكنه كان انشغالا بالتأثير والتعمير والإصلاح ، والمسابقة في التقرب إلى الله .

 

وانظر إلى هذا البيان الجرىء الحاسم في الفصل بين أنواع الحياة التي يحياها الناس ، يقول صلى الله ليه وسلم : " من كانت الآخرة همه ، جعل الله غناه في قلبه ، وجمع له شمله ، وأتته الدنيا وهي راغمة ، ومن كانت الدنيا همه ، جعل الله فقره بين عينه ، وفرق عليه شمله ، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له "  الترمذي

 

 

لقد أنشأ هذا المنهج العظيم في النفوس قوة دافعة خاصة بكل فرد منهم على حدة تحرك قلبه ، وتهذب نفسه ، وتدفعه نحو الترقي الدائم والتأثير فيمن حوله تاثيرا إيجابيا صالحا نورانيا ..

 

 

يقول صلى الله ليه وسلم : " لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه ، لاستهموا ، ولو يعلمون مافي التهجير لاستبقوا إليه ، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا " البخاري

 

 

وانظر إلى هذا المعنى الراقي من الدافعية الإيمانية الروحية التي يبثها الرسول صلى الله عليه وسلم إذ يقول  : " يقال لصاحب القرآن : اقرأ ، وارق ، ورتل ، كما كنت ترتل في دار الدنيا ، فإن منزلتك عند آخر آية كنت تقرأها "  ابو داود

 

 

ثم تدبر اطراد هذا المنهج في بناء النفوس الكبيرة ذات الروح الطامحة عندما يرفع سقف آمالها في الله سبحانه ، فهو الرحيم الكريم ، فادعوه بما تريدون وترغبون وتأملون ، فأمر أن يسال الداعي ربه بعظائم الأمور وأكابرها ولا يستكثر شيئا على ربه فقال :" إذا سأل أحدكم فليكثر ، فإنما يسأل ربه "  ابن حبان

 

 

جانب آخر من صلابة النفوس يظهر في أمرها بالثبات والصبر على الابتلاء ، لا تهاون في المبادىء ، ولا تراخي في القيم ، بل الثبات الثبات ، والصبر الصبر ، " أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون " ..

 

 

لقد أظهرت هذه الأمة عبر صورها نفوسا كبارا في الثبات والصبر على الأذى والضرر ، إذ علمها منهجها الإيماني أن ذلك إنما هو احتساب ونية ، وأن الجزاء قريب جدا  ، وانظر إلى آيات القرآن كيف تضرب أمثلة رائعة في ذلك ، " فاقض ماأنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا " ..

 

 

ثم هو يدرب هذه النفوس شيئا فشيئا على تحمل الشدائد ، وعلى ترك التنعم ، فيقول صلى الله عليه وسلم " اخشوشنوا فإن النعمة لا تدوم " ابن أبي شيبة وصححه في الصحيحة, ويقول :" البذاذة من الإيمان " احمد وابن ماجه ، يعني التقلل من الدنيا ..

إنه منهج تربية القادة الكبار ، والأئمة القدوات ، والعلماء النحارير ، والمربين الأفذاذ ، وقد أثبت هذا النهج صلاحيته ونجاحه ، كم أنتج وخرّج ،  ولايزال ينتج ويخرج ..

16 + 2 =