8 جمادى الأول 1438

السؤال

أحسن الله إليكم يقرر بعض علماء أهل السنة، أن المكر والخداع ونحوهما من صفات الله لا تطلق عليه تبارك وتقدس إلا في حال دون حال؛ لكونها دالة على ما يمدح ويذم، ولأنها إنما وردت على سبيل المقابلة لأفعال الكافرين، وقد نص بعض الأئمة على أنها لا تطلق إلا على وجه الجزاء، فهل يقال: إن هذه الصفات إنما تطلق على وجه المقابلة والجزاء أو المشاكلة؟ وهل لها خصوصية بذلك عن صفات الأفعال التي يطلقها أهل السنة كالاستواء والغضب والسخط أو الفرح والضحك؟ فهي كذلك إنما وردت في سياقات مقيدة بأمور أو أحوال وأفعال إنما تكون كمالا بها؟ أو يثبت الجميع مطلقا لكون المطلق يصح حمله على بعض أفراده؟ أفيدونا شكر الله لكم.

أجاب عنها:
عبد الرحمن البراك

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين؛ أما بعد: 
فكل ما أخبر الله به من أفعاله تعالى فإن أهل السنة يثبتونه على وجهه ومعناه الذي يقتضيه سياقه، وما ثبت نوعه ثبت جنسه؛ كالنزول إلى سماء الدنيا، واستوائه على العرش، ومجيئه يوم القيامة، فيصفونه بمطلق النزول والاستواء والمجيء إذا شاء، فثبوت المقيَّد من أفعاله تعالى يستلزم جواز المطلق بقيد المشيئة، فتكليمه تعالى لموسى عليه السلام يدل على أنه يتكلم إذا شاء بما شاء، ويكلم من شاء، وغضبه على قاتل المؤمن عمدا يدل على أنه يغضب إذا شاء على من شاء، وكل هذه الأفعال لا يسبق منها إلى فهم أحد من أهل السنة معنى مذموم، أما المعطلة فعندهم أن إضافة الصفات والأفعال إلى الله يستلزم التشبيه، وأما الأفعال المسؤول عنها كالمكر والاستهزاء والسخرية، فأهل السنة يثبتونها لله حقيقة بالمعنى الذي تقتضيه سياقاتها، لكن لـمَّا لم ترد إلا في مقابلة أفعال من الكفار والمنافقين جزاء عليها على سبيل (الجزاء من جنس العمل) صار أهل السنة لا يضيفونها إلى الله إلا على وجه المقابلة، أو مع التقييد في الكفار والمنافقين، ولا سيما أنه يسبق إلى فهم بعض الناس المعنى المذموم في السخرية والاستهزاء والخديعة، فاحتيج لذلك إلى مراعاة التقييد، وإلا فلا يمتنع أن يقال: إن الله يمكر بمن شاء، ويستهزئ ويسخر بمن شاء، وهو الحكيم العليم، بل إنه تعالى أثنى على نفسه بأنه خير الماكرين، ومعلوم أن كل أفعاله تعالى الجزائية متضمنةٌ للعدل والحكمة، ولدفع توهم النقص من إضافة هذه المعاني إلى الله جرى كثير من أهل السنة على عدم إطلاقها على الله إلا بقيد المقابلة للدلالة على أن كل ذلك واقعٌ من الله على وجه المجازاة، ومن أهل السنة من يقول: إن إضافة هذه المعاني إلى الله جاء على وجه المشاكلة اللفظية، ومعنى هذا أن الله سمَّى عقوبته للماكرين والمستهزئين والمخادعين والساخرين بهذه الأسماء على وجه المجاز المرسل، تسمية للمسبَّب باسم السبب، وهذا يقتضي أن الله لا يفعل شيئا من ذلك حقيقة، وهذا خطأ؛ لأنه تأويل، ولهذا يرتضي هذه الطريقة نفاة الصفاة والأفعال، ولا يرد هذا الإشكال على قول من يضيف هذه الأفعال إلى الله، ويقول: إن ذلك على وجه المقابلة؛ لأن معنى ذلك أن الله يستهزئ أو يمكر حقيقةً جزاءً للمستهزئين والماكرين من قبيل: (الجزاء من جنس العمل)، ولذا أقول: الصواب عند إضافة هذه الأفعال إلى الله التقييد بالمقابلة لا بالمشاكلة، ولا أرى هذا التقييد شرطا، بل ذلك أولى، والله أعلم. 
قال ذلك عبدالرحمن بن ناصر البراك 8 جمادى الأولى 1438هـ.

الشيخ أ.د. ناصر بن سليمان العمر
الشيخ أ.د. ناصر بن سليمان العمر