ترامب.. ممسحة الدم عن يد الغرب القاتلة
11 جمادى الأول 1438
أمير سعيد

"مسكين ترامب"! لا يبدو أنه مدرك تماماً لأبعاد استخدامه سواء أكان في إصدار بعض قراراته أم في نقض بعضها الآخر.

 

ترقب المشهد؛ فلا تجد إلا "غرباً نظيفاً" يبغض عنصرية ترامب ويدفع بكلتي يديه موجات الكراهية اليمينية التي تتغذى على خطاب ترامب ومؤيديه في أوروبا.. أفراد يصفقون لمحجبة خرجت للتو من محتجزها بمطار أمريكي، كنيسة تسمح للمسلمين بالصلاة داخلها، وكنيس يهودي يمنح مفاتيحه مؤقتاً للمسلمين ريثما تتم إعادة بناء مسجدهم المعتدى عليه.. موجات تضامن لافتة، حتى مادلين أولبرايت مجرمة الحرب في العراق التي سألتها شبكة CBS الأمريكية يوم 11/5/1996 "هل يستحق نصف مليون طفل عراقي الموت؟" (أثناء الحصار قبل الحرب)؛ فأجابت بلا اكتراث "نعم، أعتقد أنهم يستحقون ذلك"!، وحضرت جنازة حافظ الأسد بنفسها لتنصيب خليفته المجرم بشار إثر اجتماعها معه في غرفة مغلقة حينئذ، حتى هذه العجوز المخضرمة أعلنت تضامنها مع مسلمي أمريكا، وزعمت أنها يمكن أن تسجل نفسها كمسلمة لإظهار التضامن، وحتى مهندس ذبح السوريين، وراعي الانقلابات، جون كيري، شارك في مظاهرة مؤيدة للمرأة والتسامح، ضد ترامب!

 

لا أقول بالطبع إن ترامب قد أتي به لهذا الغرض؛ فهذا مجافٍ للحقائق والواقع والمنطق، لكن مع هذا فهناك انتفاضة مبالغ بها لإظهار التضامن الغربي مع المسلمين ضد ترامب من جهات لا تبدو بريئة في عدائها للإسلام والمسلمين أنفسهم.

 

صحيح أن عقلاء الغرب باتوا يدركون أن تشديد التعامل مع المسلمين في بلادهم لا يسدد ضربة ضد المسلمين وحدهم وإنما يقوض فكرة الحريات والديمقراطية اللتين قامتا عليهما القيم الغربية المعاصرة، ويذهبان ببلادهم باتجاه إجراءات أكثر خشونة في التعامل مع الشعوب لن تقتصر على المسلمين وحدهم، وسوف تستغل لزرع نبتات الاستبداد الخبيثة في تلك البلاد، إلا أن هذا لا يفسر هذا الاندفاع في المظاهرات وتصريحات شخصيات ليست سمعتها في عدائها للمسلمين فوق مستوى الشبهات، على الأقل.

 

وصحيح، أن قطاعات شعبية أشربت فكرة الحريات لدرجة لم تعد معها تقبل مثل هذه المظالم في بلدانها، وهو ما شكل موجات معارضة قوية ضد اليمينية الصاعدة في أوروبا، وجماعاتها الإرهابية، وأحزابها المتطرفة، وصحيح أن مثل هذه القطاعات قد نجحت في فرنسا مثلاً في وقف قرار منع مرتديات "البوركيني" لمبالغته في مصادرة "الحريات الشخصية" في بلاد تزعم احترامها، إذ لا يمكننا تجاهل وجود هذه القيم العلمانية عند قطاعات شعبية لا تتصور نفسها في حالة عداء مع الدين، أي دين، إلا أن ثمة مبالغة في عموم المظاهرات حول العالم لا يمكن تجاهلها، وحتى في موقف الأمم المتحدة ذاته من قرارات ترامب العنصرية.

 

المشهد الآن يوحي بأننا إزاء رئيس عنصري أهوج يسرف في إصدار قرارات سيئة السمعة، ومقاومة "عدلية" من القضاء ووزارة العدل وغيرها، وأخرى شعبية كبيرة، هذا ما تصوره "الميديا"، لكن دعونا نراها من زاوية أخرى:
رئيس منتخب اكتسح جميع منافسيه في الحزب الجمهوري، ثم خاض انتخابات الرئاسة فاكتسح المجامع الانتخابية على نحو غير مسبوق من أسلافه القريبين، مدعوم من البنتاجون وواضعي الاستراتيجيات الكبرى، ويحظى بشعبية مكنته من حكم الولايات المتحدة الأمريكية.. خاضت أجنحة من الاستخبارات الأمريكية معركة تقليم أظافر معه، ونفذت ضده عدة مناورات بدأت هوليودياً ومرت بالإعلام السياسي وانتشرت مع مجموعات من المتظاهرين بعضها يرتبط بهذه الاستخبارات (كمجموعات بلاك بلوك التي استخدمت العنف ضد الشرطة في بعض الولايات)، ومعظمها خرج عفوياً مع زخم الرفض الممنهج. غير أن خلاصة ما نراه ليس معارضة جارفة تكاد تقتلع الرجل من منصبه؛ فوفقاً لاستطلاع أجرته كل من رويترز وإيبسوس؛ فإن معظم الأمريكيين يقفون مع قرارات ترامب العنصرية ضد مواطني 7 دول مسلمة؛ فـ 47 % من الأميركيين يؤيدون تلك القرارات، بينما يعارضها 41 % فقط، كما أن الحزب الجمهوري لم يزل واقفاً مع هذه القرارات فيما تلقى من الديمقراطيين معارضة طفيفة لا تتجاوز 53% داخل الحزب الديمقراطي نفسه! وكُشف عن أن 31% يرون أن القرارات ستجعلهم أكثر أمناً، و26% لا يرون هذا.

 

هنا لا مقارنة بين تأييد جموع الأمريكيين لحروب مثل العدوان على أفغانستان والعراق واحتلالهما والسماح بمجازر لا حدود لها فيها، ولا تواطؤ بلادهم مع نظامي إيران وسوريا في إكمال تلك المذابح وتهجير 16 مليون مسلم من ديارهم (أي كتلة بشرية بحجم دولة متوسط السكان، وبتقدير لا نظير له منذ الحرب "العالمية" الثانية)، ولا مقارنة مع تأييد سياسة بلادهم الراعية لثلاثة انقلابات في المنطقة أطاحت بديمقراطيتين وليدتين فيها، وكادت أن تطيح بالثالثة ولم تزل تحتضن مدبريها، هذا لا مجال لمناقشته بالأصل لدى الأمريكيين خصوصاً ولا الغرب عموماً بأوروبا وحتى في كندا "اللطيفة" ذاتها هذا الأوان! نحن لا نناقش جريمة الصمت والتأييد هذه عن الجرائم والمجازر في بلادنا، ولا نناقش الجانب الآخر من تصريحات ترامب التي تلقى تأييداً، وهي تلك المتعلقة بحديثه صراحة عن رغبته في "سرقة وانتهاب" ثرواتنا تحت ذريعة الحماية التي لم يحتج إليها العرب إلا بسبب تضخيم الغرب لقوتي إيران والكيان الصهيوني، لكن الأهم مناقشة ملفات العداء في بلادهم أنفسها التي تشهد تصاعداً لموجات العداء للمسلمين، حتى بعد تدقيق الغرب في مدى "اندماجهم" في مجتمعه.

 

ترامب مجرم حقيقة، لكنه بعدُ "مبتدئ" لم يتمتع بدبلوماسية المجرم أوباما مثلاً، هذا الذي فاق سلفه بوش في مدة احتجازه لمعتقلي غوانتنامو نفسه (استخدمه بوش لمدة 7 سنوات منذ العام 2002 ووعد أوباما بإغلاقه منذ 2009 ولم يخرج آخر معتقل إلا بعد 8 سنوات من حكم أوباما!)، ترامب مشروع "شيطان" لكنه يشيطن قبل أن يكنه؛ ففي هذا أقل تكلفة يمكن أن تدفعها الولايات المتحدة لغسل سمعتها ويديها الملوثتين بالدم من رقاب ضحايانا، وهي إذ أنفقت مبلغاً كبيراً في حملته الجمهورية السابقة في زمن بوش لـ"كسب معركة القلوب العقول" وعينت مسؤولة خصوصاً في فريق الرئيس الأسبق لهذا الغرض؛ فهي لا تتكلف عناء كبيراً الآن في كسب القلوب والعقول بأقل تكلفة، وعبر عدة مظاهرات أو دموع من ممثلين وممثلات هوليود برعوا في التمثيل أمام كاميرات الأفلام ثم كاميرات السياسة مؤخراً!

 



2 + 12 =