سيترحمون على داعش
17 جمادى الأول 1438
منذر الأسعد

لأسباب تتعلق بالفكرة الأساسية لهذا المقال، سأتجاهل كل قناعاتي  الراسخة حول بنية داعش، وأن قياداته مخترَقة من قبل أجهزة مخابرات معادية للإسلام وحاقدة على الثورة السورية؛ أو أنها –في أحسن الأحوال- تنفذ ما يريده هؤلاء ولو من دون وعي منها!!
سأسلِّم جدلاً بالصورة السطحية التي يريد داعش منا أن نصدقها!!
***

ما هو حصاد داعش على مدى أربع سنوات؟
سيطر داعش على مساحات واسعة في العراق وسوريا،  لكن معظمها أراضٍ صحراوية جرداء، يصعب الدفاع عنها عسكرياً على من لا يملك دفاعات جوية متقدمة في ظل سيطرة مطلقة للعدو على الأجواء-فكيف إذا وضعنا في الاعتبار طيران العصابتين الحاكمتين في دمشق وبغداد ومساندة طيران التحالف الغربي والغزاة الروس لهؤلاء؟-

وكان سلوك الدواعش منفراً للبيئة الاجتماعية، التي يرفع التنظيم راية الدفاع عنها.

وأكثر المواجهات التي خاضها داعش على الأرض في سوريا كانت ضد الثوار من جميع الفصائل بلا استثناء، ومعظم ضحاياه من المسلمين الذين يحكم عليهم بالردة  بكل سهولة. ومن المثير للانتباه أن  90 % من وحشية طيران بوتن استهدفت المدنيين والثوار السوريين، وأن نصيب داعش منها 10 % -وللدقة: هذه الـ 10% استهدفت مناطق سيطرة داعش وكان أكثر ضحاياه من المدنيين العزل-!!

وخارجياً، تبنى داعش عمليات دموية في بلدان إسلامية وأجنبية، مع استثناء مريب لروسيا وإيران والكيان الصهيوني!

وقد انحسرت المساحات التي تقع تحت سيطرة داعش كثيراً في السنة الأخيرة.

شهادة فلين!!
قبل أقل من شهر عيَّن الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب الجنرال المتقاعد مايكل فلين مستشاراً لشؤون الأمن القومي،  الذي كان قبل سنة ونصف سنة قد أدلى بتصريحات ساخنة –تحديداً بتاريخ 10/8/2015م- اتهم  فيها سياسة أوباما بأنها مسؤولة عن تمدد داعش في سوريا!!

وقال فلين لقناة الجزيرة يومئذ: إن دراسة “سرية” أجرتها وكالة الاستخبارات الدفاعية DIA  التي كان يقودها بين 2012 و2014،  حذَّرت في أغسطس/آب 2012 من أن الفوضى في سوريا من الممكن أن تسمح بإنشاء جيب سلفي متشدد في المنطقة الصحراوية شرق البلاد. وهو ما  يعني أن الولايات المتحدة التي كانت تتوقع خلافة داعش،   لم تفعل شيئًا لمنعها!

 

واعترف مدير مركز الاستخبارات العسكرية السابق أيضًا بأن السجون الأمريكية في العراق كانت مسؤولة عن تطرف الآلاف من الشباب العراقيين،  وكثير منهم يقاتلون الآن مع داعش!

 

تقاسم سوريا
أدى التعثر في مسار الثورة السورية أخيراً،  إلى انتشاء الخنازير الكبرى التي يشتد تنافسها وتكاد تبرم صفقة قذرة لتقاسم سوريا –في موازاة تقسيمها مناطق نفوذ- وإن كانت مشاريعهم تتقاطع فتلتقي تارة وتتناحر تارة أخرى..فالقاسم المشترك بينهم شعورهم أنهم نجحوا في وأد الثورة السورية وفي تأديب الأمة الإسلامية من خلال مأساة الشعب السوري التي اشتركوا جميعاً في صنعها.

وربما يتهيأ القوم لإنهاء تهريجهم السابق المتعمد، عندما تحدث رئيس الأركان الأمريكي عن حاجتهم إلى 10 أو 20 سنة للقضاء على داعش!!(  قال رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية الجنرال ريموند أوديرنو بتاريخ 18/7/2015،  إنه يعتقد أن هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” قد يستغرق “عشرة إلى عشرين سنة”،  وذلك أبعد مما يتوقع البيت الأبيض)!.

طمأنينة زائفة
بعد تشريد 14 مليون سوري وإبادة 600 ألف آخرين، يشعر المجرمون الكبار بأن القضية انتهت،  وأن الشتات وتركة الدماء والدمار،  أنهت جذوة الغضب الفاعل لدى السوريين.. وهذا صحيح آنياً فالذين هربوا من الموت يحاولون في المنافي حماية ما تبقى من عائلاتهم من الموت، ويبحثون عن تعويض ما فاتهم من فرص التعلم والتأهل للحياة المهنية.

وفي ضوء التغيير السكاني الذي تم وا زال يتم برعاية صليبية –روسية فظة مباشرة وغربية منافقة غير مباشرة-، فإن المسلمين الذين بقوا في سوريا لن يجازفوا بثورة جديدة تنهي وجودهم كلياً بعد أن أصبحوا أقلية مثل غيرهم، لكنها أقلية محاصرة بالإفقار والتجويع ..

وخاصة أن مشاريع المناطق الآمنة التي هبت فجأةً،  يراد منها إعادة اللاجئين إلى شرائط حدودية ضيقة خانقة، لا تتيح لهم أي قدرة على الحراك ضد الواقع الجديد.

لكن هذه الطمأنينة الآنية زائفة لمن وعى حقيقة ما جرى ورواسبه لدى السوريين ولدى المسلمين الآخرين، لأن المسألة أصبحت حرباً وجودية ضد الإسلام .

وابتداءً، أقول مع كاتب سوري حر، إنصافاً للشعب السوري:

 أي شعب أنتم؟؟؟
ما هي طينتكم؟؟؟

 

مضت ست سنوات وأنتم

تقاتلون نظاما مجرما طائفيا بجيشه المستعد لإبادتكم منذ 46 عاما.

تقاتلون دولة شيعية كبيرة غنية بالبترول بجيشها العرمرم المتطور.

تقاتلون جيش شيعة حزب الله الذي كان يزعم أنه يتدرب لأجل إسرائيل.

تقاتلون شيعة العراق وأفغانستان والهند والباكستان...

تقاتلون أعظم دولتين في العالم روسيا وأمريكا.
تقاتلون حاملات طائراتهم وأقمارهم الصناعية وصورايخهم وجواسيسهم...

تقاتلون طائرات التحالف البريطانية والفرنسية والبلجيكية.

تقاتلون دولا شيوعية ديكتاتورية مثل الصين وكوريا الشمالية وقفت دائما مع النظام المجرم.

تقاتلون عصابات الأكراد المجرمة التي أحرقت قراكم وهجرتكم.

تقاتلون مافيات اللصوص وقطاع الطرق والمجرمين وتجار السلاح،  ومافيات التجار بالبشر.

تقاتلون مرتزقة الدولار من أطلقوا على أنفسهم اسم قوات سوريا الديمقراطية وجيش سوريا الجديد...

تقاتلون حكومات عربية حقيرة قذرة تدعم النظام ماديا ومعنويا.

تقاتلون الفقر والجوع والصقيع والمرض والتشرد....

تقاتلون محاصريكم وانقطاع الكهرباء والماء والخبز والدواء...

تقاتلون مؤامرات الدول الغربية في الأروقة السياسية.

تقاتلون معارضة بورا لصوصا نهبوا كل شيء.

تقاتلون معارضة شيوعية ملحدة متسلقة تعيش في الخارج تحارب الإسلام.

 

أي شعب أنتم؟

بديل للثوار لا لداعش
رجال الغد هم أطفال اليوم  الذين يتراوحون بين من رأى أباه قتل أمام ناظريه
أو سمع أن أخاه مات تحت التعذيب وأن الجزارين سلموا أهله هويته واحتفظوا بجثته في مكان مجهول وسمع بعد أن كبر قليلاً أن العصابة الطائفية باعت أعضاء أخيه بعد ذبحه أو شاهد الكفرة الفجرة يغتصبون أمه أو أخته  أو أنهكه البرد شتاء والحر صيفاً في مخيمات الذل أو أكل ورق الشجر مع أهله الذين يحاصرهم الخنازير حصاراً يبدو أمامه حصار الصهاينة لغزة مزحة لطيفة  أو  اشتغل بجسمه الغض في أعمال شاقة بدلاً من أن يكون على مقاعد الدراسة ..

من هؤلاء ومن المسلمين الغاضبين لما أصابهم،  سينتقم المسلمون في مدى غير بعيد من سائر القتلة، ولكن ليس انتقام داعش الهمجي الذي يفتك بالمسلمين زاعماً نصرتهم،  ولا انتقام الثوار الذين أخفقوا في التوحد بالرغم من الضرورة الشرعية والضرورات الواقعية.. سيكون انتقاماً دقيقاً عقلانياً، يأخذ في حسبانه أولويات الأعداء،  والتنكيل بأشدهم وحشية فالأدنى ثم الأدنى.

ووالله إن هؤلاء القتلة جميعاً سيترحمون –بإذن الله- على داعش الذي صنعوه – أو ارتاحوا إلى خدماته المجانية-!! وسيتمنون لو أنهم كفوا عن حماية نيرون العصر وأنهم تركوه يلقى مصيره في بدايات الثورة التي كانت سلمية ومدنية وغير إسلامية!!

 

ـــــ

((المصدر الأصل: د. محمد بن ناصر الكثيري مجلة المعرفة، عدد (59) صفر 1421هـ.))

كنت أحب أن أومن بهذا الكلام في أخر مقالك، ولكن لا يوجد من يتحرك! ولكن اليوم أو غدا سيترحمون على دواعشهم!
3 + 3 =