ثمان مراحل لفهم القرآن
22 جمادى الأول 1438
أحمد العساف

هذا كتاب مرتبط بكتاب عظيم مبارك؛ ولذا نال شيئاً من بركته، وعنوانه: المراحل الثمان لطالب فهم القرآن، تأليف د.عصام بن صالح العويِّد، ومن إصدار مركز التدبر للاستشارات التربوية والتعليمية، وبين يدي الطبعة الثانية منه الصادرة سنة(1431)؛ ويقع في(168) صفحة من القطع المتوسط، ويشتمل على مقدمة الناشر فمقدمة المؤلف، ثم تمهيد يعقبه المراحل؛ وكل مرحلة في فصل خاص بها، ثم الفهرس.

 

 

وقد زف د.عمر بن عبدالله المقبل-المستشار العلمي لمركز تدبر- البشرى في مقدمة الناشر بأن المركز يرحب بالدراسات العلمية الجادة في موضوع التدبر، وسيتولى مركز تدبر طباعتها وتوزيعها؛ بعد إجازتها من اللجنة المختصة، وهذا الكتاب حلقة ضمن سلسلة متتابعة تخدم هذا المعنى الشرعي العظيم، والله يكتب أجرهم لقاء إحياء هذه الفريضة المؤثرة جداً.

 

 

وذكر المؤلف في مقدمته أن أصل هذا الكتاب دروس علمية؛ ألقيت على مشرفات ومعلمات مدارس تحفيظ القرآن الكريم النسائية، ثم استعرض أحوال أمة محمد صلى الله عليه وسلم تجاه القرآن الكريم فوجدهم على ثلاثة أقسام: قسم معرض، وقسم يتلو فقط-ولهذا القسم كتب المؤلف رسالة مختصرة نافعة عنوانها فن تدبر القرآن الكريم وهي مطبوعة-، والقسم الثالث يراجع كتب التفسير ويهتم لفهم كتاب الله؛ ولهؤلاء الموفقين كتب الشيخ هذه المراحل، آملاً أن يعيها القارئ ليجيب عن ثلاثة أسئلة مهمة؛ هي:

1. كيف فهم سلفنا هذا الكتاب المهيمن؟

2. لم لا نستشعر إعجاز كلام الله مع يقيننا بأنه معجز؟

3. كيف يكون القرآن العظيم هادياً لنا، وفيصلاً بيننا؟

 

 

 ثم كتب د.العويد تمهيداً قبل البدء بالمراحل، وأشار فيه إلى أهمية تثوير القرآن ومفاتشة العلماء في معانيه، كما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه، وبيَّن أن المراحل كلها تدور في فلك علم التفسير، وهو أوسع العلوم قاطبة؛ وقد ظنه البعض علماً سهلاً، وهو على التحقيق كالقصر الذي أسواره من جريد بيد أن أبواب غرفه من حديد! فاللهم فقهنا في دينك وكتابك.

 

 

وأولى المراحل هي الوقوف على الآثار الواردة عن الرسول عليه الصلاة والسلام ثم عن الصحابة وأئمة التابعين، سواء كان الأثر تفسيراً أو سبب نزول أو متعلقاً بفضائل السور، وأشار الشيخ عصام إلى أن عظمة الوحي جعلت تفسيره في السنة الشريفة وحياً معصوماً كذلك؛ بل ونقل عن الحاكم في مستدركه أن تفسير الصحابي في كتابي الشيخين-البخاري ومسلم- بمنزلة الحديث المرفوع، وقد أخذت هذه المرحلة(31) صفحة من هذا الكتاب المشرق.

 

 

وأما المرحلة الثانية فقد استغرقت(11)صفحة فقط وهي عن إدراك المعنى اللغوي للكلمات الواردة في الآية ومقارنة هذا المعنى بما ورد عن السلف، ثم الجمع بينهما لتحديد المعنى الكامل والصحيح للكلمة نفسها، ولاشك أن للفظة أهمية قصوى في تحديد المعنى، وبعض كلمات القرآن واضحة مشهورة، وبعضها واضحة في الظاهر لكنها تنطوي على معان بديعة للمتأمل، وهذا النوع من الكلمات سيقف عنده المؤلف كثيراً خلال صفحات كتابه، وبعض كلمات القرآن غامضة على كثير من الناس، ثم اقترح المؤلف على المتدبر طريقة علمية لفهم هذه الكلمات، مع التنبيه على وجود أخطاء عقدية في بعض كتب التفسير المعتنية باللغة.

 

 

وتقع المرحلة الثالثة في(21)صفحة خصصها المؤلف للحديث عن معرفة دلالة حروف المعاني التي تربط بين الكلمات، ولهذه المعرفة سر عجيب في دقة وسعة فهم معاني الكتاب العزيز، ومن يتذوق دلالة هذه الحروف سيجد الفرق شاسعاً في فهمه؛ مما يزيد في تعظيمه لكتاب الله العليم، ولذا أثر عن عطاء بن دينار قوله: الحمد لله الذي قال:"عن صلاتهم ساهون" ولم يقل:"في صلاتهم ساهون"، وقد وضع المؤلف جدولاً يوضح أشهر المعاني لجملة من هذه الحروف.

 

 

وفي (11)صفحة جاءت المرحلة الرابعة؛ وهي عن معرفة دلالة الجملة وما يتعلق بها، مثل دلالة الجملة الاسمية والفعلية وأثر التقديم والتأخير وغير ذلك من مباحثه قليلة الغموض، وأما دقائق هذه المسائل فمكانها المطولات، وهي ضرورية للمتدبر لكن بعد اجتياز المستوى الذي يخدمه هذا الكتاب.

 

 

والمرحلة الخامسة عن فهم دلالة السياق من اللحاق والسباق؛ وقد اختصرها الكاتب في(11)صفحة، ونقل إطباق أهل التفسير على اعتبارها، وأنها من أهم الدلالات التي ينبغي للمفسر أن يعتني بها، وروى عن مسلم بن يسار قوله:"إذا حدثت عن الله فقف حتى تنظر ما قبله وما بعده"، وحكى عن ابن القيم قوله: السياق يرشد إلى تبيين المجمل، وتعيين المحتمل، وتخصيص العام، وتقييد المطلق، وتنوع الدلالة، وهذا من أعظم الدلائل على مراد المتكلم، فمن أهمله غالط في نظره، وغالط في مناظرته.

 

 

وتقع المرحلة السادسة في(15)صفحة، وتعنى بفهم موضوع السورة وما يتعلق به، وقد ذكر المؤلف أقوال المفسرين فيما يخص موضوع السورة، ورجح قول الزركشي في كتابه البرهان بأن لكل سورة في الأغلب موضوع تدور عليه، وأن الآيات في الأعم تكون متصلة بما قبلها أو بما بعدها.

 

 

والمرحلة السابعة تقترح جمع الآيات التي تتكلم عن موضوع واحد في موضع واحد، وتقع في(21) صفحة، وهو ما يسمى بالتفسير الموضوعي، ومن المؤلفات فيه كتاب أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن للشنقيطي، ومن الموافقات أني سمعت من أحد مسؤولي مجمع طباعة المصحف الشريف بالمدينة النبوية أن لدى المجمع مشروعاً وشيك الانتهاء؛ لطباعة المعجم الميسر لموضوعات القرآن الكريم في ستة أجزاء، وكم سيخدم هذا المعجم في البحث وفي التدبر!

 

 

وأوجز المؤلف المرحلة الثامنة والأخيرة في (14)صفحة، وهي العناية بتدوين أخبار وقصص الأئمة سلفاً وخلفاً مع القرآن، ثم الاستشهاد بها في محلها من التفسير، وقد نبه الباحث إلى أن هذا أمر عظيم الفائدة؛ وهو من ملح التفسير لا من متينة، وذكر المؤلف طرفاً منها، وإن الروح لتسمو بمثلها، جعلنا الله ومن يقرأ ممن يعتبرون بآي هذا الكتاب الحكيم.

 

 

وفي تضاعيف الكتاب أمثلة وفوائد ودرر وتطبيقات، وفيها نسب المؤلف الفضل لأهله من زملائه في غيرما موضع، وهذا والله من بركة العلم على أهله ومن الأمانة العلمية المرجوة من كل باحث. وقد حرصت على الاختصار عسى أن تدفع هذه المقالة قارئها لاقتناء هذا الكتاب وغيره من إصدارات مركز تدبر، والنظر فيها بعين فاحصة وقلب حاضر؛ لعلها تحيي قلوبنا وتنعش نفوسنا؛ خاصة ونحن نستقبل شهر رمضان الأجل، وهو موسم تلاوة وإنصات وتدبر، وعسى أن يعقبه تغيير في داخل النفس وخارجها، ثم عمل مثمر على صعيد الفرد والمجموع، فقد عانت أمتنا كثيرا ً كثيراً من ابتعادنا عن كتاب ربنا وكلامه المبين

 

 

المصدر/ مجلة البيان

5 + 1 =