هل ستنسحب إيران قسراً من المنطقة؟
28 جمادى الأول 1438
أمير سعيد

منذ تولي الرئيس الأمريكي الحكم، والأنباء لم تزل تتردد عن تحول راديكالي في السياسة الأمريكية تجاه إيران، ذهب معه البعض لاعتبار أن إيران ستتفكك في أعقاب تراجعها المفاجئ من المنطقة قسرياً.

 

وفي الأيام القليلة الماضية طفت تلك التكهنات إلى سطح التفاعل الإعلامي، وتبنتها شخصيات لها ثقلها وقربها من أجهزة أمنية في دول عربية وأجنبية مختلفة، ما يخرج هذه التكهنات – بل التسريبات المتعمدة – عن حيز الشائعات العبثية التي لا تستند إلى أسس واقعية.

 

تفيد تلك التكهنات أن إيران اتخذت قرارها بالفعل بالانسحاب من اليمن تحديداً، ومراجعة "خطة انتشارها" في سوريا، أو بالأحرى لملمة ميليشياتها المنتشرة هناك، والقبول بتقليم أظافر نفوذها في العراق مع إحلال شخصيات سياسية غير محسوبة عليها في مراكز صنع القرار والتأثير في بغداد، زيد أيضاً أن القوى الأحوازية بصدد تفعيل انتفاضة أو تحضير ثورة ضد الكيان الفارسي المحتل لبلادهم.

 

لا يبدو هذا الكلام منطقياً للكثيرين، لكن أصحابه يؤسسون ما ذهبوا إليه أو ما سُرِّب إليهم على تغيرات جذرية في الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة تستند إلى ضرورة اقتحام المشاكل التي تفاقمت بفعل انسحاب واشنطن من "الشرق الأوسط" أو العالم العربي، وحلول روسيا في أكثر من موضع مكانها، وازدياد النفوذ الروسي والإيراني على حساب الولايات المتحدة في كل من سوريا والعراق ولبنان واليمن وليبيا.

 

الفرضية تقوم على أن الولايات المتحدة، وإن تركت للإيرانيين الحبل على الغارب في المنطقة؛ فهي لا تهدف بهذا إلى منح طهران هدايا مجانية، وإنما إزاحة العدو الأكبر لها، وهو الدول العربية، بإسقاط نظام صدام حسين، ومنع تكون أي تحالف لدول "سنية"، وإضعاف الجيوش العربية وإلجائها إلى طلب الحماية الأمريكية، وضمان خضوع أنظمة عربية لها، واستنزاف ثرواتها في برامج تسلح ضخمة، لكنها مع كل هذا لا ترغب في النهاية إلى إقامة إمبراطورية فارسية، وأنها كانت قاصدة أن تتدخل في الوقت المناسب.

 

هذا الوقت المناسب، كان تحديداً بعد أداء الإيرانيين لدورهم الوظيفي في المنطقة، ثم البدء باستنزاف قواتهم في حروب ممتدة، في العراق وسوريا، وتدلل هذه الفرضية على صحتها بالتراجع الكبير في قدرات الحرس الثوري الإيراني، والاستنزاف الهائل للميزانية الإيرانية، وتضع في صدارة أدلتها، ما أسفرت عنه الحرب السورية من تفكيك البنى الأساسية لـ"حزب الله"، وتصفية معظم قياداته وكوادره الميدانية في سوريا إلى الحد الذي جعل "حزب الله" في نسخته الحالية قزماً بالنسبة لما كان إبان حرب 2006 مع الكيان الصهيوني على سبيل المثال.

 

ومن الأدلة أيضاً، على أن واشنطن بالفعل جادة في تقصدها تقليم أظافر الإيرانيين، ما انقشع عنه غبار التصريحات النارية لقادة الحرس الثوري الإيراني في أعقاب تلميحات بتهديدات أمريكية، من حقيقة ميدانية وسياسية باتت منظورة إلى حد بعيد تخالف هذه العنتريات؛ فالتراجع الحوثي الواضح في اليمن منذ وصول ترامب إلى السلطة، يعد مؤشراً مهماً، وسياسياً تبدو الزيارات الإيرانية للخليج، ومحاولات ترطيب علاقات طهران بدوله أبرز المؤشرات السياسية على أن الإيرانيين غدوا حريصين على قراءة التغير الأمريكي بشكل دقيق.

 

لكن..

في الحقيقة، لسنا مضطرين إلى قبول هذه الفرضية على عواهنها؛ فالتاريخ من جهة لا يؤيدها، لا التاريخ القديم للأوروبيين، منذ تحالف البرتغاليين مع الدولة الصفوية ضد الدولة العثمانية والامبراطورية البوسعيدية والغازي الصومالي أحمد عبدالله.. الخ، ولا التاريخ القريب الذي حرص فيه الغربيون على ضمان تفوق الإيرانيين على جيرانهم الخليجيين، وامتيازهم عنهم بقبول كل تجاوزاتهم العسكرية والسياسية، وتغطية سائر جرائمهم الحربية وضد الإنسانية.. لا التاريخ، ولا السنن الكونية تؤيد هذه الفرضية على علاتها؛ فقد يكون هناك شيء من القبول الحتمي لإمكانية تغير ما في السياسة الأمريكية تجاه الإيرانيين، لكن من دون الذهاب إلى غاية المطاف في فرضيته، لأسباب عديدة، منها أنه على فرض أن "الدول السنية" وشعوبها قد فقدت كثيراً من أوراقها في المعادلة، ولم تعد قادرة على تمثيل تحدي للأمريكيين إلا أن إخلالاً بالمعادلة من جديد لم يعد مضموناً في ظل وجود اضطرابات في المنطقة ليست كلها وليدة تخطيط أمريكي. ومنها أن أي استراتيجية تقوم على تحجيم إيران من شأنها أن تفيد قوى إقليمية أخرى، أبرزها تركيا التي تمكنت من نسج خيوط علاقات متينة مع الخليجيين، ولديها طموحات أخرى في الشمال والقرن الإفريقيين. هذا التحالف لا تظهر واشنطن أنها تعارضه، لكن في المقابل لا يبدو أنها مرتاحة إلى نموه. كذلك؛ فإن إضعاف إيران من شأنه تقليل حاجة الخليج إلى الولايات المتحدة، والاقتصاد في إبرام صفقات سلاح كبيرة مع شركات السلاح في الولايات المتحدة. أيضاً، هناك البعد الأيديولوجي الذي يفيد منه الغرب في تمدد الملة الشيعية في المنطقة.

 

بالجملة، وبأي فرض كان، لا يمكن للأمريكيين رسم سياسة جديدة تمنح خصومها انتصاراً مجانياً، وبالتالي؛ فإنه على أحسن الأحوال؛ فإن تقليم أظافر الإيرانيين لو صار فلن يصب في صالح استقلال المنطقة وتعرفها أكثر على هويتها وأصولها؛ فـ"الشيطان الأكبر" لا يمكنه أن يعمل "الصالحات" من أجلنا!

 

5 + 10 =
د. عمر بن عبد الله المقبل
د. عمر بن عبد الله المقبل