هل مات الربيع العربي؟
3 جمادى الثانية 1438
منذر الأسعد

بالرغم من مرور ست سنوات حافلة بالأحداث الساخنة،ما زال الربيع العربي موضع جدل حاد،في ضوء ما تعرض له من ثورات مضادة،وعقبات ضخمة وانتكاسات هائلة..

 

ولذلك بقي السؤال الأهم حتى اللحظة،هو:هل انتهى الربيع العربي الذي انطلق من تونس مطلع سنة 2011م؟

 

فأما أعداؤه الذين استبسلوا حتى الآن في محاولات إجهاضه،فخلاصة جوابهم الرغبوي الجاهز تقول بنشوة "المنتصرين": عن أي ربيع تتحدثون يا قوم؟! إنه خريف بائس لم يجلب للأمة إلا الويلات والكوارث والدماء والدمار.

 

وأما المراهنون على التغيير فيجيبون بصوت خافت: الربيع العربي لم يمت ولن يموت،لأن النصر في النهاية للشعوب بحسب ما ثبت في التاريخ الإنساني.

 

وبين الرأيين النخبويَّيْن المسنودين بوسائل إعلامية متناحرة،تلتهب المناقشة بين الجمهورين المحتقنين وخاصة في مواقع التواصل الاجتماعي.
فما توقعات الخبراء لمستقبل الصراع الشديد الذي يعبِّر عن نفسه دموياً في أكثر من بقعة عربية؟

 

 

الموجة الثانية
يرى المؤرخ والمفكر بشير نافع أن عملية التغيير التي أطلقها ما يسمى بـ"الربيع العربي" في عدد من الدول العربية قد تستمر ما بين عشر سنوات وخمس عشرة سنة، فعلى الرغم من ظهور "ثورات مضادة" في عدد من تلك الدول فإن الأمور لا تسير في صالحها.

 

 

وأضاف نافع أن "الانفجار الثوري" الذي عاشته المنطقة العربية في عام 2011، لم يكن نتيجة نزوة عابرة، فالشباب انفجروا لأن الدولة العربية -دولة ما بعد الاستقلال-، والنظام الإقليمي-نظام ما بعد الحرب العالمية الأولى-، كلاهما وصل إلى نهاية الطريق؛ سواء على مستوى الشرعية أو الاستجابة لطموحات وآمال الشعوب.

 

 

وقال :إن ثورات الربيع العربي لم تُسْتورَد من الخارج وإنما هي من قلب المنطقة نتيجة لظروفها وأزماتها، فالثورات العربية بدأت من تونس وليس من موزمبيق مثلاً، ثم انتقلت إلى مصر ومنها إلى باقي الدول العربية التي شهدت ثورات على حكامها.

 

 

وأشار إلى أن "عمليات التغيير التي بدأت في 2011 انتكست في صيف 2013 وظهرت موجة للثورة المضادة لقوى قديمة في داخل بعض دول الربيع العربي أو نتيجة لانزعاج دول عربية أخرى(لم يسمّها)-دول لم تمسها رياح الثورة ولكنها أصيبت برعب مما حدث- فهذه الأسباب تضافرت معاً من أجل إحباط عملية التغيير، وإجهاض عملية التغيير في المنطقة.

 

 

وأكد نافع أيضاً أن "البديل الذي قدمته الثورات المضادة كان بديلاً فاشلاً، ولو قدمت الثورات المضادة بديلاً ناجحاً متفوقاً على حالة الاضطراب التي صنعتها الثورات العربية في فتراتها الانتقالية، ربما بالفعل لكان الوضع مختلفاً و ربما كانت المطالبة بالتغيير أقل حدة".

 

 

ورأى أنه في كل الدول التي شهدت موجة من الثورة المضادة مثل؛ اليمن ومصر وليبيا وإلى حد ما تونس، لم يكن لديهم بديل في معسكر الثورة المضادة بإمكانه أن يجيب على أسئلة فقدان الشرعية للنظام الإقليمي أو في تلك الدول نفسها".

 

 

وتساءل المفكر العربي بالقول "في صالح من؟ الفشل الذريع للنظام الانقلابي في مصر، والفشل الكارثي الذي جاء به الحوثيون في اليمن، والدمار والانقسام الذي جاء به حفتر(خليفة حفتر قائد الجيش الليبي التابع لبرلمان طبرق- شرق) في ليبيا، هل هذا مؤشرٌ على نجاح أم مؤشرعلى إخفاق وفشل؟".

 

 

وتابع نافع قائلاً :نحن الآن في مرحلة ثانية، فهناك موجة أولى من الثورة ثم هناك موجة ثورة مضادة، والقصة التي بدأت في 2011 لم تصل إلى خاتمتها بعد؛ ولكن الأمور ليست في صالح الثورة المضادة.

 

 

ورأى المفكر أنه "لم يعد بالإمكان إعادة توليد دولة ما قبل 2011 ولا النظام الإقليمي لما قبل العام نفسه؛ فلا يمكن العودة إلى ما كانت عليه الأمور قبل الثورات وصناعة استقرار على هذا الأساس، لأن ذلك الوضع انتهى وأفلس؛ ولهذا اندلعت الثورات".

 

 

وقال نافع أيضاً "من الصعب التنبؤ بمآلات الأمور في الدول العربية؛ حيث أننا نعيش في منطقة متغيرة باستمرار، منطقة بالغة القلق، تلعب فيها قوى محلية ودولية وإقليمية متعددة، ودخلت في مجال تعقيد غير مسبوق. فلا أحد لديه تصور دقيق عمّا يمكن أن يحدث فيها؛ وفي الوقت نفسه لا يجب استبعاد الحراك الثوري الشعبي من المشهد".

 

 

في مراحل التكوين
أعد موقع “ميدل إيست مونيتور” تقريرا عن حالة الوطن العربي في ظل الثورات اندلعت في عدد من العواصم العربية, انتهى إلى أن التغيير التاريخي الذي حدث مع ثورات الربيع العربي لا يزال في طور التكوين.

 

 

وأضاف الموقع البريطاني أن النضال من أجل التخلص مما فعله الاستعمار في هذه المنطقة لم يتوقف، ولكن مشاريع التحرر الوطني التي كانت تهدف إلى تحقيق هدف إصلاح معظمها وصل إلى طريق مسدود، ويبدو أن النخب التي تحكم هذه الدول الإقليمية ورثت من القوى الاستعمارية احتقارها للسكان.

 

 

كما نمت الطبقات الحاكمة وأصبح ثراؤها أكثر، بينما في الدول ذات الكثافة السكانية العالية تزايدت أعداد الفقراء وتم التعامل مع المعارضة أو مجرد الانتقاد بوحشية.

 

 

واستطرد الموقع أنه عندما نجحت الثورات العربية عام 2011 في إسقاط أربعة من الطغاة الذين عذبوا سكانها على مدى عقود في تونس ومصر وليبيا واليمن، ورغم أنه كانت الآمال بأن النظام الجديد يمكنه إحداث تغييرات مماثلة، فإن الوضع أصاب الجميع بخيبة أمل ودق أجراس الإنذار في قصور الحكام الذين أصابهم الرعب.

 

 

وتساءل ميدل إيست :كيف يبدو الشرق الأوسط الجديد؟، موضحا أن الوضع الحالي في منطقة الشرق الأوسط لا يختلف كثيرا عن فترة ما قبل ثورات الربيع العربي، خاصة وأن الحكومات الديكتاتورية عادت لتحكم البلاد مرة أخرى، أمثال ما حدث في مصر، بعد الإطاحة بالرئيس محمد مرسي في انقلاب يوليو 2013.

 

 

 

وأوضح الموقع البريطاني أنه لو نجحت مصر وتونس وليبيا في  التخلص  من مواريث الطغيان وفي حكم إقامة حكومات ترضى عنها الشعوب، فإن سلوك هذه الشعوب كان سيشهد تحولات حاسمة، تنهي عصر الديكتاتوريات المستبدة،  وتتيح لهذه الدول إطلاق طاقات شعوبها في تنمية حقيقية يعم نفعها الشرائح الاجتماعية كافة.

 

 

 

لكن هذه البلدان اليوم -بعد 6 سنوات من الربيع العربي- انتهت نهايات أغلبها مأساوي وإن كانت درجات الفشل متفاوتة،مع ملاحظة أن الحكومات التي قادت الثورات المضادة باتت تعاني أوضاعاً اقتصادية عسيرة-وفقاً للموقع نفسه-.

 

 

انطلاقة أقوى بعد عامين
يعتقد أستاذ الأخلاق السياسية وتاريخ الأديان بجامعة حمَد بن خليفة في قطر، محمد مختار الشنقيطي،أن الموجة الأولى من الربيع العربي آلت إلى تعثر وعجز عن تحقيق جميع أهدافها،ولذلك فهو يتوقع اندلاع موجة جديدة من موجات الربيع العربي خلال عام أو عامين، مؤكداً أن الظروف تتهيأ لتلك الموجة المرتقبة يوما بعد الآخر، وأن أكثر الشعوب العربية في حالة تحفز حاليا، مع تفاؤله  بأن  الموجة  الجديدة ستكون أكثر نضجاً ووعياً باللعبة الإقليمية والدولية.

 

 

ويراهن “الشنقيطي على أن  القوة التي ستحسم الثورات العربية وتحقق نجاحها في النهاية هي نضج الشعوب، وتقهقر الثورة المضادة وإفلاسها وعجزها عن تقديم أي بديل مُرضٍ للشعوب، بالإضافة إلى الثمن الذي تدفعه القوى الإقليمية والدولية الداعمة للثورة المضادة واقتناعها بأن هذا المسار مفلس، مؤكدا أن العامل الأهم والحاسم هو إصرار الشعوب على نيل حريتها وكرامتها.

 

 

وحول طبيعة الخيارات المتاحة أمام الحركة الإسلامية، أبرز المحلل السياسي الموريتاني أن «الخيار الوحيد هو الارتباط بحركة الشعوب الساعية إلى الحرية، والارتباط بمسار الثورات والصبر عليها وطول النفس»، مضيفا «نحن نعيش في مرحلة فشلت فيها الثورة المضادة فشلا ذريعا، لكن الثورة لم تنتصر بعد، وعلى الحركة الإسلامية أن تسعى لتغيير هذه المعادلة لصالح الثورة».

 

 

ولفت الباحث في الفقه السياسي أن ما «نشهده هي حالة تأرجح فشلت فيها الثورة المضادة في تقديم أي بديل مقنع للشعوب لترضى به وبالوضع القائم»، مستدركا «لكن الثورة لم تنجح بعد»، وأرجع سبب ذلك إلى «اختلال ميزان القوى وضعف الخبرة»، مشددا على أن «واجب الحركة الإسلامية هو مساعدة الشعوب على تحسين الخبرة والأداء والثبات على مسار الثورة حتى تتحقق نتائجها وأهدافها».

 

 

ونفى الشنقيطي ما ذهب إليه البعض من أن الحركة الإسلامية قد أخطأت بربط مصيرها بمصير ثورات “الربيع العربي”، وقال: «على العكس، لقد ربحت على المستوى القيَمي، واستثمرت في رصيدها لدى وعي الجماهير حينما انحازت للحريات وللشعوب وللمظلومين»، مضيفا أن «هذه مواقف مبدئية ستربح بها على المدى الطويل».

 

 

وأبرز المحلل السياسي أنه على الرغم من أن الحركة الإسلامية «خسرت أمنيا وسياسيا، إلا أن الخسائر من هذا النوع يمكن تعويضها، أما الخسائر الأخلاقية في الرصيد لدى وجدان وعقل الأمة فهي التي لا تعوَّض إن حدثت».

 

 

وخلص الشنقيطي إلى أن الحركة الإسلامية رغم أن أخطاءها التكتيكية “فادحة الثمن”، إلا أن «خيارها في الانحياز لثورات الرييع العربي هو الخيار الاستراتيجي الصحيح، وهو يعوض عن أي خسارة تكتيكية».