المعلومة المعاصرة ومشكلة التوثيق
10 جمادى الثانية 1438
د. عامر الهوشان

بعد أن كانت المعلومة حكرا على الورق داخل مجلد أو كتاب أو حتى جريدة أو مجلة , لا يستطيع أن يصل إليها إلا من طلبها بجد وجهد , وبحث عنها بصبر وروية في مظانها ....أضحت المعلومة اليوم – في عصر الانفجار المعرفي وثورة المعلومات والاتصالات - قريبة المنال سهلة التحصيل وبسرعة مذهلة لكل من أرادها وطلبها , وفي كثير من الأحيان تصل المعلومة للبعض دون طلب بمجرد مشاركتهم حسابات بعض الأصدقاء على مواقع التواصل الاجتماعي وبرامجه التي لم يعد يستطيع الإنسان المعاصر حصرها من كثرتها وتنوعها .

 

 

وإذا كان انتشار المعلومة وغزوها لبيوت الناس وعقولهم كان بشكل محدود نسبيا حين كان الأمر مقتصرا على الحاسوب "الكمبيوتر" الذي يكون في المنزل أو مكان العمل ويصعب اصطحابه إلى كل مكان يذهب إليه الإنسان , فإن ما يسمى "الهواتف الذكية المحمولة" قد أنهت هذه المرحلة لتبدأ مرحلة وصول المعلومة إلى الإنسان حيثما كان وفي أي وقت من ليل أو نهار .

 

 

لا يمكن إنكار الكثير من الإيجابيات التي رافقت انتشار الهواتف الذكية فيما يتعلق بالمعلومات , فقد وفرت هذه التكنولوجيا الحديثة الكثير من الجهد والوقت والمال الذي كان يحتاجه طالب المعلومة للوصول إلى ما يريد , فأضحت مئات المجلدات والكتب في قرص واحد أو جهاز صغير لتخزين المعلومات "usb" , كما أن ضغطة واحدة على أحد الأزرار كفيلة بإجراء بحث عن معلومة معينة خلال ثوان أو ربما دقائق.... كانت تحتاج لساعات وربما أيام قبل عصر الانفجار المعرفي وثورة المعلومات ..

 

 

إلا أن ذلك لا ينفي وجود سلبيات في المعلومة المعاصرة لا ينبغي الاستهانة بخطرها أو الاستهتار بتأثيرها على مصداقية المعلومة ومدى إمكانية الاعتماد عليها والوثوق بها , خصوصا فيما يتعلق بأمور الدين الحنيف ومسائل العقيدة والأحكام التعبدية وقضايا الحلال والحرام من المعاملات وكل ما يتعلق بأبواب الفقه وفصوله المتشعبة .

 

 

مكمن خطر المعلومة المعاصرة يأتي من عدم التوثيق الذي يعتبر أمرا شائعا في كثير مما ينشر على وسائل التواصل الاجتماعي وبرامجه , فهذا ينشر قصة على الفيس بوك مختلقة وتتعارض بشكل أو بآخر مع ثوابت دين الله وأحكامه , وآخر يرسل رسالة على "الوتس أب" فيها حديث نبوي شديد الضعف أو منكر وموضوع أو حتى لا أصل له , وثالث يتداول مع آخرين منشورا فيه دعوة صريحة إلى بدعة أو تشجيع على الاستمرار بعمل لا دليل عليه في كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم الصحيحة .

 

 

لا يقتصر الخطر على ما سبق , فما يزيد الطين بلة كما يقال هي تلك المعلومات المتداولة التي تبدو في ظاهرها موثقة , من خلال ذكر اسم صاحب المعلومة أو اسم الكتاب وربما رقم المجلد والصحيفة , ولكن مضمون تلك المعلومة أو طريقة سياقها أو أسلوبها يدل على أنها ليس لذاك العالم المنسوبة إليه..... ويكفي أن ترجع إلى مكان التوثيق لتتأكد أن التوثيق المزعوم مجرد خداع لتمرير تلك المعلومة وتسويقها .

 

 

معظم الذين يرتكبون هذه الأخطاء يفعلون ذلك دون قصد أو تعمد , وإنما عن جهل بدين الله وتسرع في نشر المعلومة التي وصلتهم , لمجرد أن ظاهرها أو موضوعها أو كلماتها أعجبتهم , دون أن يتعبوا أنفسهم بالتأكد منها والتوثق من مصدرها ومدى صحتها .

 

 

ليس الخلاص من هذه الفوضى في تلقي المعلومات غير الموثقة على مواقع التواصل و وسائل الاتصال الحديثة بالأمر المستحيل او حتى العسير , بل هو في الحقيقة أمر في غاية السهولة واليسر , ولا يحتاج من المسلم إلا أن يكتب عنوان القصة المشكوك بمصداقيتها أو الحديث الذي تبدو عليه أمارات الوضع أو الضعف الشديد أو....... على أحد محركات البحث "غوغل وغيرها" , ليختار بعد ذلك من نتائج البحث المواقع الموثوق بها - وهي ولله الحمد ليست بالقليلة أو النادرة – ليخرج بعد قراءتها بأكثر من توثيق المعلومة أو المنشور المتداول .

 

 

قد لا يدرك الكثير من عامة المسلمين مدى الخطر الذي يمكن أن ينتج عن نشر المعلومة المعاصرة دون روية وتثبت - وخصوصا إذا كان موضوعها يتعلق بالدين الحنيف - , فهي ثغرة عظيمة يمكن أن ينفذ من خلالها أعداء الإسلام للترويج لما يريدون , ومدخل لأصحاب البدع والمذاهب المنحرفة والباطلة لنشر بدعهم وأباطيلهم .

 

 

ولعل الهاتف المحمول للقارئ الكريم قد لا يخلو من بعض تلك المعلومات غير الموثقة , والتي – مع كونها كذلك - ذُيل بآخرها عبارة تبشر من ينشرها لعشرة أشخاص أو أكثر بالخير وتحذر من لم ينشرها بالهم والغم , أو تلزمه بالنشر بدعوى أنها في ذمته وأمانته , أو ما شابه ذلك من الوسائل غير المشروعة التي تهدف في النهاية لنشر المعلومة إلى أكبر عدد من الناس رغم كونها غير موثقة !

 

 

لا يمكن قطع دابر ظاهرة عدم توثيق المعلومة المعاصرة إلا بشيء من الاهتمام والتدقيق من قبل المتلقي , وشيء من البحث والتثبت الذي يساهم في رد كيد أعداء الإسلام وأصحاب البدع والأهواء إلى نحورهم , فينقلب أسلوبهم الرخيص لترويج أباطيلهم إلى فرصة لمزيد من التعلم والتزود بالمعلومة الصحيحة التي تربو وتزداد يوما بعد يوم لتصبح ذخرا للمسلم في الدنيا وزادا له يوم القيامة .

12 + 0 =