هذا الخبر استوقفني .. متى نشكر النعم ؟!
13 جمادى الثانية 1438
د. خالد رُوشه

في الوقت الذي يواجه فيه ملايين الفقراء من المؤمنين في العالم آلام الجوع ، والحاجة والعوز ، ويعانون من الجوع والعطش ، فإن ثلث غذاء العالم يتم الإلقاء به ورميه في صناديق النفايات كل صباح !

 

 

استوقني هذا الخبر الذي يقول إن إحصائية علمية تقيس استدامة الغذاء والتغذية صادرة عن مؤسسة "باريلا" للغذاء والتغذية، أظهرت نتائجها أن 25 دولة في العالم تهدر قرابة ثلث غذاء العالم ، وأن دولا عربية في مقدمتها الإمارات وأندونيسيا ومصر ضمن أكثر هذه الدول هدرا للطعام ، وأن السعودية تأتي في المرتبة الأولى عالميا !

 

 

تصورت وقع هذا الخبر على فقير عائل تتضور اسرته جوعا من حوله ولايجد ما ينفق عليهم ، ثم هو يرى إخوانه في العقيدة والديانة يهدرون طعامهم ويلقون به للقمامة !

 

 

وتصورت وقع الخبر على امرأة أرمل فقدت زوجها ، فهي تعمل بأجر زهيد لتنفق على أبنائها الصغار ، ولا تستطيع أن تشتري لهم سوى اقل الاشياء لإطعامهم ولملء بطونهم الصائحة ..

 

 

على الجانب الآخر من الصفحة وجدت خبرا آخر يعلن أن أحد الميسورين قد أهدى لاعب كرة سيارة ثمنها يمكن أن ينفق على مئات الأسر الفقيرة الجائعة لمدة تزيد عن عام !

 

 

مثل هذه الأخبار لا تستوقفني تعجبا ، فقد زال العجب منها إذ كثرت وانتشرت ، وجف الحلق من النصح حولها ، لكنها تستوقفني الآن توقعا لردود الأفعال المجتمعية جراء ذلك ..

 

 

فأتفكر كم من الحنق والحقد يمكن أن تنبته مثل تلك التصرفات ، وكم من الفرقة المجتمعية والقلبية يمكن أن ينشأ بين أفراد هذه الأمة التي أمرها الله أن تكون على قلب واحد ..فلا تسأل من اين ينشأ الحسد ، ومن اين تنشأ البغضاء بين الناس ..

 

 

ألم تأت رسالة الإسلام رحمة بين الناس ، ألم يأمر النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم بالحفاظ على النعم بشكرها ؟! .. ألم ينهنا عن الإسراف ، ويأمرنا بالتوسط والاعتدال ؟!

 

 

ربما البعض يغفلون عن كونهم يرفلون في نعمة الله من كثرتها حولهم ، هم لا يشعرون بقيمتها إلا أن تنزع منهم !

فلنعرف نعم الله علينا ، فإن مجرد الانتباه لكونها نعمة فذلك من الشكر .. فعَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ قَالَ : (( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا ، وَسَقَانَا ، وَكَفَانَا ، وَآوَانَا ، فَكَمْ مِمَّنْ لَا كَافِيَ لَهُ وَلَا مُؤْوِيَ ))مسلم

 

 

ثم بعد معرفة النعمة والانتباه لكونها منعم علينا بها من الله سبحانه  ، يجب أن يمتن المؤمن لربه أن أنعم عليه بها ، شكرا بالقلب واللسان والجوارح ..

 

 

ثم عليه الشكر بالعمل الصالح ، فلينفق من ماله الذي أنعم به الله عليه ومن علمه الذي أنعم به عليه ومن قوته التي أنعم بها عليه ..وهكذا .." اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا "

 

 

فعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه : " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا أَكَلَ طَعَامًا لَعِقَ أَصَابِعَهُ الثَّلَاثَ ، قَالَ وَقَالَ : إِذَا سَقَطَتْ لُقْمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيُمِطْ عَنْهَا الْأَذَى وَلْيَأْكُلْهَا وَلَا يَدَعْهَا لِلشَّيْطَانِ  " رواه مسلم

 

 

يقول المناوي : " حسن الجوار لنعم الله من تعظيمها ، وتعظيمها من شكرها ، والرمي بها من الاستخفاف بها ، وذلك من الكفران ، والكَفور ممقوت مسلوب ، ولهذا قالوا : الشكر قيد للنعمة الموجودة ، وصيد للنعمة المفقودة . وقالوا : كفران النعم بوار ، فاستدع شاردها بالشكر ، واستدم هاربها بكرم الجوار .

 

 

فارتباط النعم بشكرها ، وزوالها في كفرها ، فمن عظَّمَها فقد شكرها ، ومن استخف بها فقد حقرها وعرضها للزوال ، ولهذا قالوا : لا زوال للنعمة إذا شكرت ، ولا بقاء لها إذا كفرت .

 

 

قال ابن الحاج : كان العارف المرجاني إذا جاءه القمح لم يترك أحدا من فقراء الزاوية ذلك اليوم يعمل عملا حتى يلتقطوا جميع ما سقط من الحب على الباب أو بالطريق . " "فيض القدير"