الموصل تحرير أم تدمير؟!
16 جمادى الثانية 1438
د. محمد عياش الكبيسي

الموصل أم الربيعين، ومدينة التاريخ، وثاني أكبر مدائن العراق، تتعرض اليوم لعملية حرق وإبادة وتهجير لم تشهد لها مثيلا، كل شيء فيها مستباح، الإنسان والأرض والدين والتراث، المساجد والمدارس والمتاحف والمنازل، والمتقاتلون في الأرض والسماء كلهم يتحدثون باسمها، أو نيابة عنها، هؤلاء يريدون حمايتها من (الروافض)، وأولئك يريدون تحريرها من (الدواعش)، لكن الخراب والدمار يحل عليها وعلى رؤوس أهلها لا على هؤلاء ولا على أولئك. الاستغاثات من الداخل تصل إلى السماء، لكنها لا تصل إلى الأقربين من أولاد العم أو إخوان الدين، ولا تصل إلى الأبعدين في الأمم المتحدة، ومجلس الأمن، والمجتمع الدولي وما إلى ذلك.

 

 

مدينة يقارب تعدادها أربعة ملايين إنسان، لا يلتفت لجراحها ونزيفها أحد، ولا يصغي لصراخها وأنينها أحد، ويحدثونك عبر مؤتمراتهم وندواتهم ووسائل إعلامهم عن عيد المرأة، وعيد الحب، وقيم الحريات، وتداول السلطات. إنه لشيء يدعو للقرف أن ينتبه الإعلام العالمي إلى «حرمان المرأة السعودية من حق قيادة السيارات» ولا يلتفت أحد منهم لعشرات الآلاف من النساء الهائمات على وجوههن بلا مأوى ولا طعام ولا شراب ولا دواء!

 

إن الذي يجري في الموصل هو نفسه الذي جرى في حلب وفي كوباني وفي الفلوجة وفي الرمادي وكل المحافظات السنية، ولا يمكن لعاقل أن يفسر كل هذا بخطأ غير مقصود، أو غفلة لازدحام القضايا وارتباك الأولويات.

 

المعلومات المتواترة من الداخل كلها تؤكد أن النيران التي تسقط عليهم، تسقط عليهم من كل صوب، من (الدواعش) و(الروافض) و(التحالف) بوتيرة متواصلة، ولا يمكن حمل كل هذا على (أخطاء فنية) أو (أخطاء فردية).

 

إن هذه (الأخطاء) تأتي منسجمة تماما مع التصريحات الطائفية التي يطلقها قادة في الميليشيات المنضوية تحت راية الحشد دون حساب ولا عقاب، كما أن إهمال الحكومة لعشرات الآلاف من النازحين دون أن تقدم لهم أي شيء يحفظ حياتهم وكرامتهم؟ حتى المؤسسات الإنسانية، العالمية والإقليمية لا تجد طريقها إليهم!

 

أما (أمير المؤمنين) الذي أعلن خلافته من الموصل مبشرا بدولة الحق والعدل فقد ذاق منه أهل الموصل الأمرّين، أولا حينما سامهم ألوان العذاب طيلة خلافته المزعومة، وقتل منهم الآلاف بتهمة الردة وموالاة الكافرين، أما الجلد والتعزير فغدا ديدن الخلافة وجهاز الحسبة فيها بنزعة سادية عدوانية تتلذذ بالتعذيب وبانتهاك الحرمات الإنسانية، وثانيا حينما استعدى عليهم كل خلق الله من مسيحيين وأيزيديين وأكراد وتركمان، ثم أدخلهم في حرب مفتوحة لا ناقة لهم فيها ولا جمل، وسيخرج هو منها كما خرج من الفلوجة والرمادي بعد أن يحيلها إلى خراب وتراب.

 

لقد ظهر لكل عاقل منصف مدى تكامل الأدوار بين (داعش) و(ماعش) في لعبة قذرة بدأت بالظهور المفاجئ لداعش وتمددها في المحافظات السنية حصرا أيام المالكي، وما زالت فصولها الإجرامية تتتابع حتى تشمل كل مدينة وقرية وقصبة. إن كل هذا الذي يجري في الموصل وفي المنطقة كلها ومنذ ما يزيد على العقد لا يمكن أن يكون زلة أو غفلة أو خطأ غير مقصود، لكن ثقتنا بالله أقوى وهو حسبنا ونعم الوكيل.

 

المصدر/ رابطة العلماء السوريين



2 + 5 =