قبل أن تصبح أمنيات !
17 جمادى الثانية 1438
د. عامر الهوشان

بضع كلمات بيقين وصدق كانت قبل فوات الأوان من أسهل ما يكون , ومجموعة من الأعمال الصالحة كانت متاحة وفي متناول اليد قبل أن تتحول بعد وقت محدد وأجل مسمى - لا يعلمه إلا الله - إلى مجرد أمنيات لا يمكن أن تتحقق .

 

 

لقد مرت فترة الامتحان التي وهبها الله تعالى لعباده أجمعين دون أن يستثمرها البعض بما يسعدهم في الدنيا وينجيهم يوم القيامة , فما كان منهم حين مضت سنوات متاع الغرور و دخلوا مرحلة اليقين إلا أن أطلقوا عبارات الندم على ما فات في وقت لا ينفع فيه الندم , و رددوا كلمة لن تزيدهم حينها إلا حسرة وخسرانا "ياليتني" .

 

 

كثيرة هي الأمور التي تصبح في حياة بعض الناس أو بعد الموت مجرد أمنيات , عمل صالح وإن كان صغيرا جدا يتحسر على فقدانه , أو شرك وكفر ونفاق وعمل سيء يندم أشد الندم على اقترافه ..

 

 

وقد سجل القرآن الكريم عددا من تلك الحالات لتكون نموذجا لما سيكون عليه حال المعرضين عن صراط الله المستقيم , وكذلك المنافقين والمفرطين في جنبه والمقصرين في طاعته سبحانه وتعالى .

 

 

أول ما يتمنى الإنسان بعد موته أن لا يكون قد اقترفه أو وقع فيه هو الشرك والكفر بالله , وكذلك تكذيب الرسل وعدم تصديق ما جاؤوا به من عند مولاهم , نظرا لما يجدون من سوء عذاب مرتكب تلك الموبقات والمهلكات , قال تعالى : { وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا} الفرقان/27-29

 

 

قال ابن كثير : يخبر تعالى عن ندم الظالم الذي فارق طريق الرسول وما جاء به من عند الله من الحق المبين، الذي لا مرْية فيه ، وسلك طريقا أخرى غير سبيل الرسول، فإذا كان يوم القيامة نَدمَ حيثُ لا ينفعه النَدَمُ، وعضّ على يديه حسرةً وأسفا . 6/108

 

 

وسواء كان سبب نزولها في عقبة بن أبي مُعَيط أو غيره من الأشقياء ، فإنها عامة في كل ظالم ، كما قال تعالى : { يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا } الأحزاب/66

 

 

بل سجل القرآن الكريم أمنية صاحب الجنتين في سورة الكهف بعد أن نزل بهما من عذاب الله تعالى وقدره ما جعلهما أثرا بعد عين , حيث تمنى حينها بعد كفره وجحوده بنعمة الله واستكباره عن شكره سبحانه أن لا يكون قد أشرك بالله شيئا , قال تعالى : {  وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا } الكهف/42

 

 

وفي مشهد فريد من نوعه كشف لنا القرآن الكريم ما يتمناه من أوتي كتابه بشماله يوم القيامة , فقال تعالى : { وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ } الحاقة/25-29
 

 

لقد ذكر القرآن الكريم في غير آية أقصى ما يتمنى الكافر والمشرك بالله والمعاند لرسله والمكذب بآياته , فهو في موضع من كتاب الله تعالى يتمنى بعد الموت أن يعود إلى الدنيا ليعمل صالحا وليصلح ما أفسد ويتدارك ما فاته ....ولكن هيهات هيهات , فقد قضى الله تعالى أنهم إليها لا يرجعون , قال تعالى : { وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } الأنعام/27 , وقال تعالى : { حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } المؤمنون/99-100

 

 

وفي موضع آخر وبعد يقينه بأنه لا يمكن أن يعود إلى الدنيا كما تمنى , ولا مفر من مواجهة محاسبته على ما قدم من الكفر والشرك بالله والعناد والاستكبار عن اتباع الحق في الدنيا ....يتمنى الموت الذي لا بعث بعده ولا حساب ولا عذاب , ويتمنى لو كان مآله مآل الأنعام في نهاية المطاف...إلى تراب , فيقول : { يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ } الحاقة/27 , {.......وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا } النبأ/40

 

 

وفي مقابل أمنيات الكافر والمشرك بالله والمعاند لآيات الله التي تتركز على الإيمان بالله الذي استيقنوه بقرارة نفوسهم وجحدوا به علانية...... يتمنى المؤمن أيضا أن لو كان قد استزاد من الأعمال الصالحة والطاعات والقربات , ويندم على كل ساعة من عمره في الدنيا لم يشغلها بذكر الله .

 

 

قال تعالى : { ...يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى * يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي } الفجر/23-24

 

 

قال ابن كثير : يعني : يندم على ما كان سلف منه من المعاصي - إن كان عاصيا -ويود لو كان ازداد من الطاعات – إن كان طائعا - , واستشهد بحديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه : ( لَوْ أَنَّ عَبْدًا خَرَّ عَلَى وَجْهِهِ مِنْ يَوْمِ وُلِدَ إِلَى أَنْ يَمُوتَ هَرَمًا فِي طَاعَةِ اللَّهِ لَحَقَّرَهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ وَلَوَدَّ أَنَّهُ يُرَدُّ إِلَى الدُّنْيَا كَيْمَا يَزْدَادَ مِنْ الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ ) مسند الإمام أحمد بإسناد صحيح /17687

 

 

إن إدراك المؤمن أن الحياة الآخرة هي الحياة الباقية , وأن الدنيا بما فيها من متاع وزينة ما هي إلا دار امتحان وانتقال , هي الحقيقة التي ينبغي أن تدفعه للمبادرة لاغتنام أوقاته بطاعة الله , واستثمار أنفاسه بما يرفعه في جنة الخلد درجات .... قبل أن تصبح يوم القيامة مجرد "أمنيات" .

 

2 + 2 =
الشيخ أ.د. ناصر بن سليمان العمر
الشيخ أ.د. ناصر بن سليمان العمر