عمليات دمشق بأي اتجاه؟
27 جمادى الثانية 1438
د. أسامة الملوحي

كثيرون وقَعوا ومازالوا تحت تأثير حالة تلبس الهزيمة التي حصلت في حلب وما بعد حلب حين روَّجت دعاية موجهة ضخمة لحالة تلبس مؤثرة خطيرة باتجاه الهزيمة و الانكسار المعنوي, وهؤلاء يتساءلون اليوم وهم قلقون عن اتجاه العمليات في دمشق ويقولون نخشى أن يصيب دمشق ما أصاب حلب وأن يتكرر مشهد حلب في دمشق وأغلبهم بهذا الكلام سمّاع لمحللين عباقرة يربطون بين ما حدث في حلب وما يحدث اليوم في دمشق, ولكنهم في التفاصيل لم يستطيع هؤلاء العباقرة أن يطابقوا أمراً رئيسياً واحداً بين المواجهتين في حلب ودمشق.

 

الواقع والتاريخ معاً يقولان: إن العمليات داخل دمشق ومن أي نوع كانت هي شديدة التأثير على النظام ومستنزفة له وتبث الفوضى و عدم الاستقرار في عشِّه ووكره الوحيد.

 

في نهاية عام 1980 انتشر داخل دمشق خمسون من الطليعة المقاتلة المواجهون عسكرياً للنظام وقتها ,وكان جُلُّهم من محافظات أخرى غير دمشق, واتخذوا من عدة شقق هنا وهناك في دمشق كقواعد لهم, وقاموا بعمليات قليلة بسيطة, ولمجرد انتشارهم استنفرت كل القوى الأمنية والعسكرية داخل وخارج العاصمة فانتشرت ميليشيات أجهزة المخابرات كلها وانتشرت سرايا الدفاع وسرايا الصراع وامتلأت الشوارع بحواجز المظليين والمظليات من الكتائب المسلحة وعاشت دمشق استنفاراً وتوتراً استمر لعدة شهور, وكان النظام إذا بُلِّغ في منطقة عن وجود قاعدة للمقاتلين فيها خمسة أفراد يطوق المنطقة بأسرها بمئات الجنود والعناصر ويستخدم عشرات العربات المصفحة وتنشب معركة استمرت في بعض المرات يومين كاملين رغم الحصار المطبق على المقاتلين.

 

وفي المعارك الأخيرة بين جوبر و القابون وباتجاه العباسيين ظهر الفرق جلياً جازماً بين المبادأة العسكرية باتجاه قلب دمشق وبين أي مبادأة في منطقة أخرى.

 

واليوم إذا تسلل مئات المقاتلين داخل أحياء دمشق وانغمسوا فيها بشكل شعاعي وبمجموعات صغيرة لا يجاوز عدد كل منها عشرة مقاتلين مع ذخائرهم, ويعتمدون على أماكنهم فيما سوى الذخيرة ويتنقلون وينصبون الكمائن ضد قوات النظام والميليشيات داخل عمق دمشق ويتصيدون كبار الضباط والمؤثرين ويتواصلون فيما بينهم للتنسيق ولتطوير العمليات في أي مستجدات تحصل, فستتغير المعادلة العسكرية فوق ما يتصور الجميع....وسيتخبط النظام أمام خطوط الجبهات في الأطراف واختراقات المجموعات في كل مكان داخل قلب العاصمة.

 

وقد يظن كثيرون أننا نتكلم اليوم هنا عن حسم عسكري كامل لصالح الثورة بهذه الطريقة أو غيرها, ولكننا في الحقيقة نتكلم عن تعديل في الميزان العسكري المختل ثم استخدام هذا التعديل كورقة أساسية في المفاوضات السياسية.

 

المفاوضات السياسية هي الأصل والأساس لإنهاء المواجهة في سورية والورقة العسكرية هي أهم ورقة في المفاوضات الناجحة.
الذين يواجهون الثورة السورية من البداية حتى اليوم يريدون الحسم العسكري ولا شيء في بالهم وتخطيطهم إلا الحسم العسكري.

 

وينبغي أن تكون المفاوضات السياسية معهم حقيقية وغير عابثة وغير مُضيِّعة للوقت لتنجح, ولن يجعلها حقيقيةً وناجحة إلا الورقة العسكرية القوية.
والمفاوضات يجب ان تكون مع الطرف الصحيح, أي ليس مع طرف النظام فالتفاوض مع الوفد المخابراتي لبشار الأسد لحل الصراع في سورية يشبه ادخال الجمل في سَمِّ الخياط.

 

التفاوض يجب أن يكون مع الروس, وموضوع التفاوض هو التخلي عن بشار الأسد...الثورة لا تحتاج إلا إلى تخلي الروس عن بشار الأسد.
ولن يستجيب الروس لهذا الأمر إلا عندما يستمر الصمود السوري الثوري ولعل هذا الصمود يُثمر في نهاية هذا العام إذا بلغت قوة الورقة العسكرية الضاغطة القدر المطلوب.

 

وكلامنا هذا اليوم بخصوص الضغط العسكري الناجح والمطلوب أقرب للقبول بعد الأعمال الناجحة والمباغتة للثوار في ريف حماة وفي دمشق.
وليس هناك مكان كقلب دمشق في أثر العمل العسكري الضاغط فيه و الذي يفضي بسرعة إلى مفاوضات سياسية ناجحة.

 

في دمشق رأس النظام و لقد ظننا واهمين ان للنظام رأسين واحد في دمشق والآخر في الساحل...إنه رأس واحد مختبئ في دمشق وكل ما للنظام في سوى دمشق أطراف.

 

المصدر/ ترك برس

1 + 0 =