أعمال القلوب واثرها في حياة المؤمن والمربي (5) شؤم المعاصي والذنوب في حياة المربي
29 جمادى الثانية 1438
عبد الله العنزي

إن من أهم الأسباب التي تبعد العبد عن ربه تبارك وتعالى، وما يتلو ذلك من مصائب وعقوبات حسية كانت أو معنوية؛ لهو اقتراف الذنوب والمعاصي الظاهرة منها والباطنة واستمراؤها.

 

وإن من أخطر وأضرِّ العوائق لدى المربي في مشروعه التربوي هو اقتراف الذنوب والمعاصي؛ لأن من أسياسيات المشروع التربوي قوة إيمان المربي، ومدى تطبيقه لما يقول؛ إذ هو القدوة الحسنة لمن تحت يده.

 

فإذا ما وقع في معصية – لا قدر الله – خاصة ذنوب الخلوات، أضعفت إيمانه، ومن ثمَّ أضعفت قوة تأثيره على من تحت يديه، وعلى من حوله.
يقول ابن عباس رضي الله عنهما:

 

[إن للحسنة ضياءً في الوجه، ونوراً في القلب، وسعة في الرزق، وقوة في البدن، ومحبة في قلوب الخلق، وإن للسيئة سواداً في الوجه، وظلمة في القلب، ووهناً في البدن، ونقصاً في الرزق، وبغضة في قلوب الخلق] ( 1).

 

ولما كانت هذه الذنوب بهذه الخطورة وهذا الشؤم؛ كان لا بد أن تُنال بشيء من التفصيل؛ ليكون المسلم عموماً والمربي خصوصاً في حذر منها.

 

 

أولاً: الذنوب الظاهرة:

 

الذنوب والمعاصي التي انتشرت بين الناس كثيرة جداً، حتى إن جملة منها أصبحت عادات وثقافة لبعض المجتمعات نسأل الله العافية.

 

ولن أستطيع حصر هذه الذنوب والمعاصي ولكن سأذكر بعون الله بعض أصناف الذنوب التي تندرج تحتها ذنوب كثيرة، فيجب على كل مسلم عموماً والمربي خصوصاً الحذر من هذه الأصناف وما تندرج تحتها من ذنوب، ومن هذه الأصناف:

 

1 – ذنوب ومعاصٍ يقع فيها العبد فسرعان ما يستيقظ قلبه ويستغفر ربه ويتوب إليه، فيرجى لمن هذه حاله أن تقبل توبته وتزال عثرته، قال تعالى: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ} [النساء:17].

 

2 – ذنوب ومعاصٍ استمرأتها قلوب كثير من المسلمين؛ بل أصبحت عادة لها وطبعاً، فهذه الذنوب والمعاصي – نسأل الله العافية – قلَّ من يتوب منها، لأن أحدهم لا يجد عند اقترافها ألماً في قلبه وحرقة في نفسه بسبب اعتياده عليها.

 

وإذا نوصح في هذه الذنوب وتلك المعاصي اعتذر بأنها ذنوب قد انتشرت في المجتمعات وشاعت بين الناس، فليس وحده الذي يقترفها، ويعتذر مرة أخرى بأنها ذنوب صغيرة، والله غفور رحيم.

 

 

ومكمن الخطر في هذا الصنف من الذنوب:

 

أ – الإصرار على الذنب.

ب – استصغار الذنوب.

جـ - الاعتذار للنفس والتهوين من المعصية.

 

والذنب قد يكون صغيراً ولكنه قد يتحول إلى كبيرة بسبب تكراره والإصرار عليه وعدم المبالاة به.

 

يقول ابن قدامة رحمه الله تعالى: (اعلم أن الصغيرة تكبر بأسباب: منها الإصرار والمواظبة – إلى أن قال رحمه الله تعالى – ومن الأسباب التي تعظم بها الصغائر أن يستصغر الذنب، فإن الذنب كلما استعظمه العبد، صغر عند الله تعالى، وكلما استصغره العبد، كبر عند الله تعالى) ( 2).

 

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (والذنب يتغلظ بتكراره، وبالإصرار عليه) (3 ).

 

ويقول ابن القيم رحمه الله تعالى: (وهاهنا أمر ينبغي التفطن له، وهو أن "الكبيرة" قد يقترن بها من الحياء والخوف والاستعظام لها ما يلحقها بالصغائر.
وقد يقترن بالصغيرة من قلة الحياء، وعدم المبالاة، وترك الخوف، والاستهانة بها ما يلحقها بالكبائر، بل يجعلها في أعلى رتبها وهذا أمر مرجعه إلى ما يقوم بالقلب. وهذا قدر زائد على مُجرَّد الفعل، والإنسان يعرف ذلك من نفسه ومن غيره) (4 ).

 

3 – ذنوب ومعاصٍ يقترفها العبد ويعلم في قرارة نفسه أنها معصية وذنب، ولكنه يبحث لنفسه عن شبهة، أو فتوى تجيز له فعل هذه المعصية مع عدم اقتناعه في نفسه بها، فهو يلبِّس هواه وشهوته بشبهة، حينها يجتمع في قلبه شبهة وشهوة، وحال من يفعل ذلك يُشبه حال أهل السبت من بني إسرائيل: {إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ}، فاحتالوا على ذلك بأن وضعوا الشباك يوم الجمعة، فلما أتت الحيتان والأسماك يوم السبت وقعت في الشباك، فصادوها يوم الأحد؛ فنهاهم علماؤهم عن فعلهم ذلك، وبينوا لهم أن شبهتهم وهي وضع الشباك يوم الجمعة وأخذ الصيد يوم الأحد، هو في الحقيقة تحايل على الشرع المطهر للوصول إلى الحرام، فلما أصروا على شبهتهم قَلَبَهم الله جل وعلا قردة خاسئين؛ فليحذر الذين يلبِّسون شهواتهم بشبهات أن تُقلب قلوبهم، حينها لا يعرفون معروفاً ولا ينكرون منكراً إلا ما أشربوا من أهوائهم، نسأل الله العافية.

 

4 – ذنوب ومعاصٍ استحلها أصحابها، فجعلوها حلالاً بعد أن حكم الشرع المطهر بحرمتها، وذلك بأن عارضوا نصوص الشريعة الصحيحة الصريحة، بآرائهم، أو أهوائهم وشهواتهم، أو أذواقهم ووجداناتهم، أو سياساتهم، فهؤلاء وأولئك يُخشى عليهم الكفر، إذ إن اقتراف الذنب معصية، ولكن استحلال الذنب كفر، وذلك إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع.

 

ثانياً: الذنوب الباطنة:

 

وحقيقة الذنوب الباطنة أنها أمراض قلوب كالكبر والاستعلاء والحسد والغل والرياء والسمعة والعجب وسوء الظن بالله والهوى وغيرها من الأمراض، وخطورة هذه الأمراض أن لها جذوراً في القلب تمدُّ الأعمال الظاهرة الخبيثة وتؤزُّها إلى الشر أزاً، فهي أصلها وأساسها.

 

ولما كانت هذه الأمراض القلبية بهذه الخطورة، رتّب الله جل وعلا عليها عقوبات عظيمة لمن لم يطهر قلبه ويتعاهده من حين لآخر.

 

فلقد طرد الله جل وعلا إبليس من الجنة ولعنه لعنة إلى يوم الدين بسبب الكبر الذي يملأ قلبه، مما جعله يأبى أمر الله جل وعلا حين أمره أن يسجد لآدم عليه السلام، وحسده وتوعد ذريته، فهي ذنوب متراكمة بسبب مرض الكبر نسأل الله العافية.

 

وخذل الله جل وعلا ذلك العالم الذي ترنوا إليه أبصار الناس، وتصغي إليه آذانهم ويصدرون عن رأيه، خذله الله وقد آتاه آياته حين انسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين، وكان سبب ذلك الخذلان اتباعه للهوى نسأل الله العافية {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ} [الأعراف:176].

 

وعاقب الله جل وعلا أولئك الثلاثة مع أن أعمالهم كانت من أفضل القربات، عالم وحافظ للقرآن، ومقاتل قُتل في الجهاد في سبيل الله، ورجل أنفق ماله يمنة ويسرة، عاقبهم بأن جعلهم أول من تُسَعَّر بهم النار يوم القيامة( 5)، وكان سبب ذلك الرياء وحب الظهور الذي كان في قلوبهم، فقدموا مدح الناس وثناءهم على مدح الله وثنائه جل وعلا، فكانت عقوبتهم عظيمة، نسأل الله العفو والعافية.

 

يقول ابن القيم رحمه الله تعالى بعد ذكره حديث "فهؤلاء أول خلق الله تسعَّر بهم النار يوم القيامة": (وسمعت شيخ الإسلام يقول: كما أن خير الناس الأنبياء، فشرُّ الناس من تشبه بهم من الكذابين، وادعى أنه منهم، وليس منهم.

 

فخير الناس بعدهم العلماء والشهداء والمتصدقون المخلصون، فشرُّ الناس من تشبَّه بهم، يوهم أنه منهم، وليس منهم) (6 ).

 

{وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} إذ لم تكن هذه الأعمال التي خذلوا فيها، أو عوقبوا عليها، لم تكن حادثة مفردة في حياتهم بل كانت نتيجة أمراض كانت كامنة في قلوبهم تظهر على صفحات وجوههم، وفي بعض تصرفاتهم من حين لآخر.

 

وصدق الله جل وعلا: {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [الأنعام:28]، فهؤلاء وأولئك يصدق عليهم قوله صلى الله عليه وسلم: "إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلى ذراع فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها"( 7).

 

يقول ابن القيم رحمه الله في معنى هذا الحديث: (.. لما كان العمل بآخره وخاتمته، لم يصبر هذا العامل على عمله حتى يتمَّ له، بل كان فيه آفة كامنة ونكتة خُذل بها في آخر عمره، فخانته تلك الآفة والداهية الباطنة في وقت الحاجة، فرجع إلى موجبها وعَمِلَت عَمَلَها، ولو لم يكن هناك غشٌّ وآفاةٌ، لم يَقْلب الله إيمانه كفراً وردةً مع صدقه فيه وإخلاصه بغير سبب منه يقتضي إفساده عليه، والله يعلم من سرائر العباد ما لا يعلمه بعضهم من بعض) ( 8).

 

ولما علم الصحابة رضوان الله عليهم بهذا الحديث العظيم خافوا على أنفسهم، فتعاهدوا قلوبهم.

 

قال عبد الله ابن أبي مُليكة: (أدركتُ ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه) ( 9).

 

وهذا عمر الفاروق رضوان الله عليه المبشر بالجنة يسأل حذيفة صاحب سرِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول له: (أنشدك الله، هل سمّاني لك رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني في المنافقين، فيقول: لا، ولا أزكي بعدك أحداً) (10 ).

 

يقول ابن القيم رحمه الله عن العشرة المبشرين بالجنة وغيرهم من كبار الصحابة كأهل بدر وبيعة الرضوان: (بل كان هؤلاء أشد اجتهاداً وحذراً وخوفاً بعد البشارة منهم قبلها، كالعشرة المشهود لهم بالجنة، وقد كان الصديق شديد الحذر والمخافة، وكذلك عمر، فإنهم علموا أن البشارة المطلقة مقيدة بشروطها والاستمرار عليها إلى الموت، ومقيدةٌ بانتفاء موانعها، ولم يَفْهمُ أحدٌ منهم من ذلك الإطلاق والإذن فيما شاؤوا من الأعمال) (11 ).

 

فإذا كان هؤلاء الصحابة على جلالة قدرهم يخشون على قلوبهم من النفاق، فنحن ولا شك أولى بالخوف من النفاق منهم، {فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ}.

 

والنفاق نوع من أنواع أمراض القلوب، قال تعالى عن المنافقين: {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} [البقرة:10].

                                    ( يتبع )

.......
(1)الداء والدواء، لابن القيم، ص(135)، طبعة دار عالم الفوائد
(2)مختصر منهاج القاصدين، ص(282).
(3)مجموع الفتاوى (11/659).
(4)مدار السالكين (1/574).
(5)وأصل الحديث في صحيح مسلم رقم (1905)، والترمذي رقم (2383).
(6)الداء والدواء، ص(73)، طبعة دار عالم الفوائد.
(7)رواه البخاري رقم (3208)، ومسلم رقم (2643).
(8)الفوائد، لابن القيم، ص(239)، طبعة دار عالم الفوائد.
(9)رواه البخاري في تاريخه (5/137) وسنده حسن.
(10)ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (3/42)، وقال رواه البزار ورجاله ثقات، وقال ابن حجر: إسناده صحيح. وبنحوه أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (38545)، قال ابن حجر في (المطالب العالية): إسناده صحيح.
(11)الفوائد، ص(23).

15 + 0 =