هل تغّير موقف واشنطن من طاغية الشام ؟!
5 رجب 1438
د. زياد الشامي

تناقلت وسائل الإعلام العالمية أمس الجمعة تصريحات المتحدث باسم البيت الأبيض التي أعلن فيها أن على الولايات المتحدة قبول الواقع السياسي بأن مستقبل طاغية الشام يحدده الشعب السوري ، حيث قال "شون سبايسر" في بيان صحفي : "فيما يتعلق بالأسد، هناك واقع سياسي علينا أن نقبله فيما يخص موقفنا الآن".

 

 

 

وأضاف "ينبغي أن نركز الآن على هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية.. الولايات المتحدة لديها أولويات راسخة في سوريا والعراق، وأوضحنا أن مكافحة الإرهاب، خاصة هزيمة تنظيم الدولة، هي على رأس أولوياتنا".

 

 

 

تصريحات المتحدث باسم البيت الأبيض سبقها تصريح آخر للسفيرة الأميركية في الأمم المتحدة "نيكي هايلي" , حيث نقلت وكالة رويترز قولها الخميس : "أولويتنا لم تعد الجلوس والتركيز على طرد الأسد، لا يمكننا بالضرورة التركيز على الأسد بالطريقة التي فعلتها الإدارة السابقة" , ناهيك عن كلام لوزير الخارجية الأميركي "ريكس تيلرسون" صرّح فيه الخميس من أنقرة بأن مصير الأسد يقرره الشعب السوري .

 

 

 

تزامنت تصريحات المسؤولين الأمريكيين بهذا الخصوص مع تصريح لوزير الخارجية الفرنسي "جان مارك أيرولت" أمس الجمعة أكد فيه أنه لا يجب التركيز على مصير الأسد للتوصل إلى اتفاق سلام في سوريا.

 

 

 

وقال أيرولت : "إذا كان البعض يريد أن يتركز الجدل بأي ثمن حول هل نبقي أو لا نبقي على الأسد؟ فالسؤال لا يرد بهذا الشكل، بل الأولى أن نعرف ما إذا كانت الأسرة الدولية تحترم التعهدات التي قطعتها".

 

 

 

التصريحات المتتالية لكبار المسؤولين الأمريكيين في إدارة ترامب اعتبرها المحللون تغيرا في السياسة الأمريكية تجاه سورية , وضجت وسائل الإعلام بالتعليق على هذه التصريحات , معتبرة أن تغيرا ملحوظا قد حدث في موقف الولايات المتحدة الأمريكية من مسألة فقدان طاغية الشام للشرعيته كما كانت تزعم في بداية الثورة السورية , ناهيك عن انقلاب في مسألة ضرورة رحيله ونظامه المجرم عن السلطة , حيث لم تعد هذه المسألة أولوية أمريكية .

 

 

 

والسؤال الذي يطرح نفسه إزاء الضجة الإعلامية على مثل هذه التصريحات : هل كان رحيل الطاغية في الأساس أولوية أمريكية غربية حتى يقول البعض : إن هناك تغيرات في الأولويات الأمريكية الغربية فيما يخص ما يجري في سورية ؟!

 

 

 

والجواب بالتأكيد : لا , فسلوك الولايات المتحدة الأمريكية تجاه ما يجري في سورية يؤكد أنها لم تكن يوما جادة بإسقاط النظام النصيري , وما التصريحات النارية التي كان يطلقها مسؤولو البيت الأبيض وإدارة الرئيس السابق "أوباما" من قبيل : فقدان الطاغية للشرعية و مطالبته بالتنحي عن السلطة و تكرار أن أيامه باتت معدودة في الحكم ....إلا مجرد دغدة لمشاعر الثوار في سورية وذرا للرماد في العيون لا أكثر .

 

 

 

لا يحتاج تأكيد هذه الحقيقة إلى مزيد شرح وبيان واستدلال , فسنوات الثورة السورية التي دخلت منذ أسبوعين عامها السابع شاهدة على ذلك , والمحطات الكبرى في هذه الثورة من قبيل استخدام الطاغية للسلاح الكيماوي في الغوطة الشرقية عام 2013م , دون أن تتحرك الولايات المتحدة الأمريكية لمعاقبته فضلا عن إسقاطه ....يشير بوضوح إلى حقيقة أن العم سام متمسك ببقاء طاغية الشام وليس إسقاطه , مثله في ذلك مثل الصهاينة وروسيا والرافضة على حد سواء .

 

 

 

ومن يعود بالذاكرة إلى الوراء قليلا , يدرك أن تصريحات مسؤولي إدارة ترامب مماثلة لتصريحات مسؤولي إدارة أوباما من قبل , ففي مثل هذه الأيام تقريبا من عام 2015م صرح مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية "سي آي أي"، بالقول : إن "الولايات المتحدة الأميركية لا تريد انهيار الحكومة السورية (يقصد الأسد ونظامه) ومؤسساتها"، بينما قال وزير الخارجية الأميركي جون كيري : "إن على الولايات المتحدة وحلفائها أن يتفاوضوا مع الرئيس السوري بشار الأسد من أجل انتقال سياسي بسوريا" !!! وهو ما اعتبره المحللون يومها بأنه تغير في موقف الإدارة الأمريكية من مسألة ضرورة رحيل طاغية الشام .

 

 

 

الذريعة التي تحاول الولايات المتحدة الأمريكية تبرير موقفها الشائن من طاغية الشام هو : محاربة ما يسمى "داعش" , ذلك البعبع وتلك الفزاعة التي نشأت وترعرعت في أحضان الطغاة وتحت سمع وبصر العم سام وأزلامه في المنطقة , لتكون غطاء لجرائم طاغية الشام وداعميه بحق الشعب السوري , وذريعة لإعادة تأهيل النظام النصيري على حساب مطالب الثورة السورية .

 

 

 

إن الحقيقة التي أظن أنها لم تعد خافية على كل ذي بصيرة أن الولايات المتحدة الأمريكية لا يمكن أن تفرط بنظام طاغية الشام بسهولة , وكيف تفعل ذلك بعد أن أثبت النصيرية أنهم أفضل من ضبط حدود الكيان الصهيوني على مدى أربعة عقود متواصلة , وأكثر من ساهم في تنفيذ أجندة العم سام والدول الغربية في كل من لبنان والعراق على وجه الخصوص.....كل ذلك تحت شعار مقاومة الاحتلال "الإسرائيلي" المزعوم , ومناهضة السياسة الأمريكية والغربية في المنطقة !!!

 

12 + 6 =