لمصلحة من تكثيف الحملة ضد "غزة" ؟!
18 رجب 1438
د. زياد الشامي

كثيرة هي معالم ومظاهر الحملة الأخيرة المعلنة ضد قطاع غزة المحاصر , لا يشارك فيها فحسب الاحتلال الصهيوني الذي يفرض حصارا خانقا على القطاع منذ سنوات , وشن أكثر من حرب همجية على غزة لإخضاعها وإركاعها , بل تشارك في هذه الحملة المعلنة جهات فلسطينية وللأسف الشديد .

 

 

أولى مظاهر تلك الحملة المعلنة ضد القطاع تمثل بقيام حكومة رامي الحمد الله بتنفيذ قرار الخصم على رواتب موظفي السلطة بقطاع غزة عن شهر مارس/آذار الماضي وصلت إلى 30 % من رواتبهم , وهو ما اعتبرته حركة المقاومة الإسلامية "حماس" التي تشرف على القطاع مؤامرة بأوامر مباشرة من "عباس" ضد غزة , بينما حذر اسماعيل هنيه نائب رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" من استغلال رواتب موظفي السلطة بغزة في إطار سيناريو سياسي ومخطط دولي يتعلق بالقضية الفلسطينية .

 

 

وفي الوقت الذي لم تهدأ فيه بعد ردود الأفعال المنددة بقرار خصم رواتب موظفي السلطة داخل قطاع غزة وخارجها , تداولت وسائل الإعلام تصريح رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس خلال كلمة له في البحرين أعلن فيها : أنه بصدد اتخاذ إجراءات "غير مسبوقة" ضد قطاع غزة ، وذلك بالتزامن مع تصريحات لقيادات "فتح" تطالب فيها "حماس" بتسليم القطاع ؛ وإلا اتخذت إجراءات عقابية ضد سكانه .

 

 

وجاءت ثالثة الأثافي كما يقال على لسان قاضي القضاة في السلطة الفلسطينية محمود الهباش , الذي وصف قطاع غزة خلال خطبة الجمعة أمس بمقر المقاطعة في رام الله بحضور رئيس السلطة محمود عباس بـ"مسجد الضرار"، الذي أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بهدمه , مفتيًا بوجوب اتخاذ إجراءات غير مسبوقة ضد قطاع غزة لإحباط ما وصفها بـ "مؤامرة تصفية القضية الفلسطينية".

 

 

الغريب في الأمر هو إسقاط حادثة مسجد الضرار الذي ورد ذكره في القرآن الكريم والسنة النبوية على قطاع غزة المحاصر , حيث اعتبر "الهباش" أن هناك مؤامرة كبيرة لتمزيق فلسطين وتصفية القضية الفلسطينية حسب وصفه , وذلك من خلال اجتزاء جزء من فلسطين وإقامة كيان في قطاع غزة تحت سلطة حماس قائلا : "المهم خذوا هذه القطعة من الأرض هذه الدويلة ، واتركوا لنا الباقي وفي مقدمته المسجد الأقصى" !!

 

 

وفي مواجهة هذه المؤامرة التي افترضها "الهباش" أفتى الأخير بأنه يجب على رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس وجوبًا شرعيًّا ووطنيًّا وإنسانيًّا وسياسيًّا أن يعمل على إفشال المؤامرة "المزعومة" حتى لو اضطر إلى إجراءات غير مسبوقة ضد قطاع غزة وأهلها !!

 

 

بل أوجب "الهباش" على كل من وصفهم بـ "أبطال الشعب الفلسطيني" ، وعلى كل رجال ونساء وشباب وشيوخ الشعب الفلسطيني في قطاع غزة أولًا ثم باقي أبناء الشعب أن يتصدوا لهذه "المؤامرة" ، وأن يفشلوها حتى لو اضطررنا – حسب وصفه - أن نفعل ما لا نريد أن نفعل، وأن نأتي من الأشياء ما لا نحب أن نأتي؛ لأن دفع هذه المؤامرة أهم واجبات الحال والوقت والمرحلة !!

 

 

وجه الغرابة في الأمر هو ذلك التشبيه بين مسجد الضرار في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وبين قطاع غزة , والذي لا يدري أحد على أي أساس أو مستند تم تشبيه هذا بذاك , فمن المعروف أن مسجد الضرار بناه المنافقون في المدينة ليكون معقلا لهم وللمسمى "أبو عامر الراهب" الذي كتب إلى أتباعه من المنافقين بالمدينة ليكون المسجد معقلا ومرصدا له ولأتباعه المنافقين وللجيش الذي وعدهم أن يأتي به من عند هرقل ملك الروم , لينزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل يوم من وصوله إلى المدينة راجعا من تبوك عن حقيقة المسجد , فما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم حينها إلا أن بعث إلى ذلك المسجد من هدمه قبل مقدمه المدينة , قال تعالى : { وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ ....... لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا....} التوبة/107-109 

 

 

لم يحكم النبي صلى الله عليه وسلم على المسجد بأنه للضرار ولم يأمر بهدمه إلا بعد أن أخبره الوحي بحقيقة الهدف والغاية من بنائه وتشييده , فمن أخبر "الهباش" ومن وراءه بأن قطاع غزة المقاوم للاحتلال هو بمثابة "مسجد الضرار" ؟!!

 

 

إن أي متابع عاقل لهذه الحملة الممنهجة ضد قطاع غزة , والتي وصلت إلى حد المساس بقوت موظفي السلطة في القطاع والنيل من رواتبهم , والتهديد بإجراءات أخرى ضد غزة وصفت من قبل مطلقها بأنها "غير مسبوقة" , وتشبيه قطاع غزة أخيرا بـ"مسجد الضرار" تمهيدا لتبرير المزيد من تضييق الخناق على أهلها ....يصب بلا ريب في مصلحة الاحتلال الصهيوني في الدرجة الأولى .

 

 

لقد كانت غزة وما زالت شوكة في حلق الاحتلال الصهيوني , فلا الحروب المتتالية التي شنها ضد القطاع مكنته من هزيمة حركات المقاومة فيها , ولا سنوات الحصار الطويلة التي فرضها على أهل هذه البقعة من أرض فلسطين المحتلة آتت أكلها بكسر صمود أهلها .

 

 

المؤلم في الموضوع أن الذين يقودون الحملة الأخيرة ضد غزة لم ينالوا من العدو الصهيوني طوال سنوات عملية السلام المزعومة شيئا من الدولة الفلسطينية الموعودة , ولم يعودوا من وراء التنسيق الأمني معه إلا بمزيد من اضطهاد الشعب الفلسطيني واعتقال أبنائه , ناهيك عن مزيد من عمليات الاستيطان وتهويد القدس المحتلة , وتدنيس باحات المسجد الأقصى والتهديد بهدمه ......

3 + 2 =