من يهزم الآخر: أردوغان أم أتاتورك؟
20 رجب 1438
منذر الأسعد

تفصلنا ساعات قليلة عن ظهور نتائج الاستفتاء المهم الذي يجري في تركيا على 18 تعديلاً دستورياً، يتصدرها تحويل نظام الحكم الحالي إلى نظام رئاسي، وسط استقطاب حاد بين مؤيدين يعتبرون التعديلات ضرورة قومية، وخصوم يرونها تمهيداً لديكتاتورية شبه أكيدة.

 

لكن السياق المنطقي للمعركة يتلخص في مواجهة أقدم عليها الرئيس رجب طيب أردوغان مع الإرث الأتاتوركي، في توقيت حساس على بُعْد ست سنوات فقط عن مرور 100 سنة على مشروع أتاتورك!! فمن ينتصر؟

 

نظام هجين

توجه اليوم 55 مليون تركي يحق لهم الاقتراع إلى صناديق الاستفتاء في 81 محافظة و31 معبراً حدودياً، بعد أيام من مشاركة الأتراك في الخارج وعددهم يقترب من 4 ملايين.

 

المواجهة ليست مصيرية كما يحلو للبعض تصويرها، إلا إذا انتهت بفوز المشروع الأردوغاني الذي سيعني حدوث تحولات حاسمة في بينة النظام السياسي التركي، للمرة الأولى منذ انقضاض أتاتورك على السلطنة العثمانية.

 

وفي ظل صخب التجاذبات الراهنة، غابت عن المناقشة نقطة محورية تتعلق بطبيعة النظام الحالية، فهو ليس برلمانياً كما هي الحال في بريطانيا مثلاً ولا هو رئاسي على غرار النظام الأمريكي.. ولعل هويته الهجينة مصدر القلق والاضطراب الذي شجَّع أردوغان على تقديم مشروعه المثير للجدل.

 

فالنظام السياسي القائم في تركيا يعتمد على دستور 1982 الذي وضعه انقلاب كنعان إيفرينو بالرغم من إجراء 18 تعديلاً دستوريًا عليه، جرى نصفها في عهد العدالة والتنمية، وقد تناولت 108 مواد فيه، فإنه ما زال يعاني من مشاكل بنيوية مستعصية.

 

فهذا النظام العجيب يتكون من رأسين هما: رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة! حيث تتضارب الصلاحيات بين مؤسسات الدولة المختلفة، إذ يمكن لرئيس الجمهورية أن يرفض التوقيع على تشريعات يصدرها البرلمان فضلاً عن صلاحيات واسعة معطاة له فيما يتعلق بعمل الحكومة.

 

كما أن من حق المحكمة الدستورية رد بعض القرارات الحكومية والتشريعات البرلمانية.

 

وكل تلك التناقضات متعمدة ولم تأتِ اعتباطاً وغايتها فرض هيمنة الجنرالات والقضاء الأتاتوركي على القرار الأساسي في البلاد!

 

صدام الصلاحيات

"نجحت" تلك الثغرات المقصودة في وقوع الأزمات بين رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء منذ 1982 حتى الوقت الحاضر، حتى لو كان الرجلان ينتميان إلى حزب سياسي واحد (بين سليمان دميريل وتانسو تشيلر ثم بين تورغوت أوزال ومسعود يلماظ)..

 

وتكرر الصراع نفسه بين الرئيس أحمد نجدت سيزار ورئيس الوزراء بولند أجاويد خلال اجتماع مجلس الأمن القومي، ما أدى إلى أزمة اقتصادية خانقة.

 

وازدادت المسألة تعقيداً بعد التعديل الدستوري الذي تم إقراره عام 2007 حيث أصبح الشعب ينتخب رئيس الجمهورية مباشرة وكان ذلك من صلاحيات البرلمان من قبل.

 

وكان من نتائج هذه الازدواجية استقالة أحمد داود أوغلو في أيار/مايو 2015 من رئاسة الحزب الحاكم والحكومة إثر خلاف مع الرئيس أردوغان على آلية اتخاذ القرار الحكومي ومرجعيته، مع أن الرجلين ينتميان إلى حزب العدالة والتنمية ولديهما تصورات مشتركة لمشكلات تركيا وسبل معالجتها، فضلاً عن صداقتهما الشخصية المديدة!!

 

احتمالات الفوز المحدود

ليس في تركيا صناعة راسخة لاستطلاعات الرأي بحيث يمكن الاطمئنان إليها في توقع النتائج قبل ظهورها رسمياً..

 

ولذلك فاحتمال النصر والهزيمة قائمان وإن كان أكثر المراقبين يرجحون فوز تعديلات أردوغان ولكن بنسبة بسيطة.

 

وكان الجدل قد احتد بين المؤيدين والمعارضين، الذين ادعوا أن التعديلات الدستورية المقترحة تضع أردوغان في مقام "الأنبياء"، وهو ما رفضه أنصار الحزب الحاكم، وعدّوه خروجا عن حدود المناكفات السياسية إلى التطاول على القيم الدينية للمجتمع.

 

ويقول الكاتب والمحلل السياسي مصطفى أوزغان إن الأحزاب التركية المؤيدة لـ"نعم" منقسمة على نفسها، وداخلها أصوات ترفض تعديل الدستور، وقد تصوت بــ"لا".

 

وترجح أوساط أردوغان وقوع تحول مهم في تصويت أنصار حزب الشعوب الديمقراطي الكردي لصالح تأييد التعديلات الدستورية، بعد انتقال قطاع من أنصاره لتأييد حزب العدالة والتنمية.

 

أما الكاتب والإعلامي التركي أحمد فارول فتوقع فوز أردوغان ولكن بنسبة منخفضة -رغم ارتفاع شعبية أردوغان- وهو انخفاض يُرجعه فارول إلى معارضة بعض أنصار حزب العدالة والتنمية للتعديلات الدستورية، ويقول "هؤلاء المعارضون وإن كانوا مقتنعين بأردوغان كرئيس كفء فإنهم يخشون من إمكان استغلال رئيس آخر مستقبلا الصلاحيات التي ستمنحها التعديلات للرئاسة في غير صالح البلد".

 

سيناريو الفشل

مرت تركيا بستة استفتاءات دستورية من قبل، لكن الاستفتاء الحالي أهمها بسبب طبيعة التعديلات وخصوصية شخصية أردوغان وتدخل الغرب شبه المباشر ضدها.

 

عند قراءة احتمال الرفض الشعبي للتعديلات، يلاحظ الخبراء في الشؤون التركية، أن ذلك لا يعني أي التزامات قانونية أو دستورية على رئيس الجمهورية أو الحكومة أو الحزب الحاكم، ، ولذلك فسوف يستمر الرئيس والبرلمان والحكومة بحسب الأوضاع السابقة لإجراء الاستفتاء حتى موعد الانتخابات المقبلة عام 2019.

 

لكن هذا يعني بقاء الازدواجية في النظام السياسي وتضارب الصلاحيات في السلطة التنفيذية، وقد يعيد العدالة والتنمية الكَرّة مجدداً، بعد تنقيح بعض التعديلات المثيرة للجدل.

 

وقد يتبنى الحزب الجهوري المعارض الدعوة إلى انتخابات مبكرة، في ضوء تشكيكه في شرعية الرئيس وحكومته، مع ظهور انقسامات داخل الحزب القومي المؤيد للتعديلات.

 

وقد يبادر الحزب الحاكم إلى دعوة كهذه إذا أفضت حساباته إلى توقع إحراز مقاعد أكبر من حصته الحالية في البرلمان.وإن كان هذا الاحتمال ضئيلاً لأن أردوغان يعي أن كل محطة انتخابية يخوضوها محفوفة بمحاولات لزعزعة الاستقرار أمنياً واقتصادياً من قبل أجهزة مخابراتية خارجية تتربص به وبحزبه.

 

دلالات النجاح

إن فوز مشروع التعديلات لا يعني أن جميع المشكلات قد حُلَّت.. وخاصة إذا كانت نسبة الفوز متدنية.. فمعنى هذا سياسياً وجود انقسام عميق في المجتمع لا يمكن تجاهله في قضايا حساسة على هذا المستوى.

 

وهو ما سيعزز من عنف التدخلات الخارجية -الأوربية وحتى الأمريكية بالرغم من إعلان ترامب في حملته الانتخابية أنه سيؤيد سياسات أردوغان لكن الناطق باسم البيت الأبيض فاجأ الجميع قبل يومين بإبداء قلق واشنطن على مصير الديموقراطية في تركيا -.

 

على الصعيد الدستوري والقانوني تبدو المسائل أقل تعقيداً..

حيث تدخل البلاد في فترة انتقالية تنتهي في 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2019، وهو موعد إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المتزامنة وفقاً للتعديلات الدستورية. وسيتم خلال الشهور الستة الأولى تنقيح القوانين المختلفة لكي تنسجم مع التعديلات الدستورية التي أقرها الشعب في الاستفتاء الحالي.

2 + 6 =
محمد علي يوسف
مؤسسة الموصل
د.مالك الأحمد