تركيا بعد إقرار التعديلات الدستورية
20 رجب 1438
د. زياد الشامي

حدث ما كشفت عنه استطلاعات الرأي الكثيرة التي رجحت حصول حملة "نعم" المؤيدة للتعديلات الدستورية في تركيا على الأغلبية المطلوبة لإقرارها ( 50%+1) , وهو ما يعني أن النظام السياسي في تركيا سينتقل بعد هذا الإقرار إلى النظام الرئاسي بعد عقود من العمل بالنظام البرلماني .

 

 

 

فقد أظهرت النتائج الأولية لنتائج الاستفتاء الشعبي على التعديلات الدستورية التي أجريت في تركيا اليوم بعد فرز جميع الأصوات أن 51,3% من أصوات الأتراك قالت "نعم" للتعديلات الدستورية , مقابل 48,6% من الأصوات قالت "لا" لتلك التعديلات.

 

 

 

لم تكن معركة إقرار هذه التعديلات الدستورية في بلد بحجم وأهمية تركيا للقارة الأوروبية وأمريكا والعالم الغربي عموما بالأمر اليسير أو السهل , فمنذ إعلان نية حزب العدالة والتنمية الحاكم طرح هذه التعديلات على البرلمان , وصولا إلى نجاحه في عرضها على الاستفتاء من قبل الشعب , وليس انتهاء بمرحلة الترويج لها بـ "نعم" داخل تركيا وخارجها .......والحرب المعلنة ضد تمرير هذه التعديلات وإقرارها من الداخل العلماني وأسياده في الخارج الأوروبي والغربي لم تهدأ .

 

 

 

كانت محاولات عرقلة إجراء هذه الاستفتاء واضحة المعالم في الهجمات الإرهابية التي تعرضت لها تركيا في الآونة الأخيرة , كما كان واضحا أن هناك حملة مناهضة لإقرار هذه التعديلات في دول القارة العجوز التي تحتضن جالية تركية كبيرة , ليس من حيث منع لقاء حملة المؤيدين للتعديلات بأنصارهم فحسب كما فعلت ألمانيا وهولندا وغيرها , بل وباحتضان تلك الدول للكثير من أعضاء أحزاب كردية تصنفها تركيا "إرهابية" وعلى رأسها حزب العمال الكرستاني , ناهيك عن حملة إعلامية ضد أردغان وحزبه في وسائل الإعلام الغربية قبيل الاستفتاء على التعديلات الدستورية .

 

 

 

لم تكن المعركة التي تخوضها الأحزاب العلمانية التركية وداعميها في الدول الغربية ضد هذه التعديلات عن عبث أو فراغ , فهم يدركون جيدا معنى أن يتم إقرارها , ونتائج إحداث تغييرات جوهرية على الدستور التركي التي صاغته دول القارة العجوز بعناية إبان إسقاط الخلافة العثمانية وإنشاء جمهورية تركية علمانية تابعة للغرب .

 

 

 

لا يمكن إدراك مدى أهمية ومصيرية التعديلات الدستورية التي أقرها اليوم الشعب التركي إلا بإدراك ثغرات النظام البرلماني التي كان الغرب وأدواته في الداخل التركي يستغلونها لمنع عودة تركيا لهويتها الإسلامية , وإجهاض أي محاولة للاستقرار أو الاعتراف بالديمقراطية من خلال الانقلابات العسكرية , والتي كان العامل الأبرز في نجاحها عدم الاستقرار المتولد من النظام البرلماني .

 

 

 

ولعل المطلع على تاريخ الانقلابات العسكرية التي حدثت في تركيا بعد كل انتخابات نزيهة تفرز انتصار الأحزاب الإسلامية وهزيمة العلمانيين فيها , ناهيك عن حالة الاضطراب وعدم الاستقرار بعد كل انتخابات برلمانية يضطر فيها الحزب الفائز لتشكيل حكومته للخضوع لمساومات الأحزاب العلمانية المهزومة التي يضطر للرضوخ لبعض رعوناتها لتشكيل حكومة ائتلافية يفرضها النظام البرلماني , وهو ما يستتبع بالتأكيد حالة من عدم الاستقرار العام في البلاد .......يدرك أهمية ومصيرية التعديلات الدستورية التي تم إقرارها اليوم .

 

 

 

لم يعد بمقدور الغرب بعد إقرار هذه التعديلات الدستورية التي تمنح الرئيس صلاحيات تنفيذية واسعة أهمها : رئاسة الحكومة واختيار أعضائها ونوابه فيها , وقيادة الجيش , واختيار 4 من أعضاء مجلس القضاء والمدعين , والسماح له بقيادة حزبه ......أن بعبث بأمن واستقرار البلاد وقيادة الانقلابات العسكرية كما كان يفعل سابقا على الأقل , كما أنه سيكون من العسير عليه بعد الآن أن يضمن تبعية تركيا وعدم استقلالها عنه كما كان مطمئنا لتلك التبعية في ظل النظام السياسي البرلماني السابق .

 

 

 

كما أن إقرار هذه التعديلات ستساهم بشكل كبير في منح حزب العدالة والتنمية الحاكم القدرة على المضي قدما في مواجهة الدولة العميقة التي كانت وما زالت تعرقل عملية استقرار البلاد بعد كل انتخابات تفرز نجاح الأحزاب الإسلامية أو حتى من يحاول التخفيف من علمانيتها اللادينية الفجة , ناهيك عن كونها عاملا رئيسيا لحزب أردوغان في استكمال مسيرة الإصلاحات وتعديل القوانين وإعادة الهوية الإسلامية للبلاد التي بدأها أسلافه من قبل عدنان مندريس و نجم الدين أربكان .......

 

 

 

تداعيات هذا الإقرار للتعديلات الدستورية ستكون بلا شك بحجم أهميتها التي يصفها البعض بأنها تاريخية ومفصلية ومصيرية , ولعل أولى هذه التداعيات ستطال القارة العجوز التي وقفت بشكل واضح وصريح بل وفج ضد هذه التعديلات , حيث أعلن الرئيس التركي رجب طيب أرودغان أنه سيتم النظر في العلاقة مع الاتحاد الأوروبي إن تم تمرير هذه التعديلات .

 

 

 

كما أن صدى تلك التداعيات ستسمع في مدن وعواصم دول أخرى غير الاتحاد الأوروبي , وعلى رأسها واشنطن وموسكو اللتان تجمعهما مع تركيا علاقات من نوع خاص , ناهيك عن طهران التي تعتبر نفسها في سباق مع تركيا على قيادة المنطقة ولعب دور رئيسي في رسم معالم مستقبلها .

 

 

 

ليس الأتراك وحدهم الذين يحتفلون في هذه الأثناء بفوزهم التاريخي بنتائج هذا الاستفتاء هم الرابح الوحيد لتجاوز هذه المرحلة المصيرية فحسب , بل يشاركهم في الربح بكل تأكيد الأمة الإسلامية بشكل عام , فأيا كانت خلافات بعض الدول العربية والإسلامية مع تركيا وحزبها الحاكم , فإن الهوية الإسلامية التي يجهر بها حزب أردغان ويعمل من أجل استعادتها لتركيا , والتي كانت سببا رئيسيا في مناهضة ومعاداة كثير من الدول الغربية لتعديلاته الدستورية , هي القاسم المشترك الأبرز الذي ينبغي أن تذوب أمامه جميع الخلافات . 

6 + 5 =