الطقوس وآثارها التحريضية على الدولة السنية
27 رجب 1438
أبو عبد العزيز القيسي

تمثل الطقوس والشعائر الحسينية تعبير وامتداد صارخ لحادثة الطّف أو عاشوراء , وعلامة كبرى من علامات الولاء والبراء في الإيمان بهذه الثورة ومقتضياتها , وهي كذلك امتداد رمزي لكل علامات الخروج على كل حاكم سني لا يتوافق نهجه مع نظرية الإمامة .

 

وتمثيل هذه الطقوس لحادثة الطف إنما لأجل ذلك الخط الفكري المتصاعد لحادثة الطف في نظر عموم الشيعة والذي يتلازم  بمظلوميته مع الضعف الذي يستولد القوة لأجل أن يقول لكل حكام أهل القبلة إنكم عنوان الجور والظلم والطغيان وإن عملتم بعدل الأرض كله , لأنكم اغتصبتم حق الإمام وحرمتم البشرية من فيئه وعدله , لذلك فان أصل التشيع هو الدعوة للتحريض والخروج عن شريعة الله المطلقة .

 

وقد تجسد هذا الخط الفكري في تلك الثورات المتعددة عبر التأريخ والتي حملت شعار أهل البيت سلام الله عليهم , وأسقطت الكثير من الدول عبر مراحل التأريخ ,  وعامة الشيعة في حالة الضعف ليس أمامهم من سبيل لبلوغ تلك الثورة إلا بتلك الطقوس والشعائر , لذلك يمكننا القول وبحق إن العمل بتلك الطقوس يمثل أعظم مصاديق الخروج والتكفير لحكام أهل السنة وعامتهم .

 

والذي يستقرأ تاريخ حادثة الطف من مصادر القوم المعتمدة ثم ينظر كيف يوظفها أصحاب المنابر يجد أنها فقدت جوهرها وحقيقتها وحاد عامة الشيعة من جراء ذلك التلقين إلى معاني ضيقة انحرفت بهم إنحرافا خطيرا أبعدهم وجعلهم يصطدمون مع هذا المسار جازمين على أنفسهم بأن ما همّ عليه هو الحق المبين ,لظنهم أن العمل بتلك الطقوس تجسيد وإكمال لتلك الثورة الإصلاحية المتكاملة , وعزز إعتقادهم بأنهم في سيرهم بتلك الخطى لم ينفصلوا لحظة عن أسس وأصالة أفكار تلك الثورة .

 

ولو نظرنا إلى القانون الجنائي وتصنيفاته لعلمنا أن تلك الطقوس والشعائر تمثل بحق جريمةً واضحة المعالم ومكتملة الأركان , ذلك أن النشاط الذي يقوم به المحرّض – المعمم أو الرادود – يتمثل بذلك العمل الذي غايتهُ التأثير على أفكار البسطاء من السارحة ودفعهم لأجل تحقيق ذلك الفكر الإجرامي , ومن ثم تذليل الصعاب ,  وتخفيف الاعتبارات والعواقب التي تنجم عن تلك الجريمة , فدور المحرض ينحصر في خلق الفكرة ودعمها ومن ثم الإقناع وخلق الإصرار في نفس الجاني , وبذلك يتوفر الركن المادي لهذه الجريمة وهو القصد المتجه لتنفيذ وتحقيق هذا الجرم . ولهذا القصد عنصران :

الأول :  العلم  , والثاني : الإرادة
ودعوة التحريض صريحة وواضحة وهو أمر يعلمهُ .... أولئك المراجع والدعاة , لأنهم يعلمون حقيقة دلالات تلك العبارات التي تقال وتردد في تلك الطقوس , ومدى تأثيرها اليقيني في تلك الوسائل التي يستخدمها أولئك الذين وقع عليهم فعل التحريض .

 

 

بيد أن التحريض الذي تدعو اليه تلك الطقوس يمثل بالحقيقة أكبر وأوسع من أن يكون جريمة سياسية , ومن الضروري أن يوضع تعريف جامع مانع لهذا الجرم , حتى لا يتم الخلط بينه وبين المصطلحات الأخرى  خصوصا في تلك البلدان التي يمارس فيها مثل تلك الطقوس , والتي تمثل مظهرا صارخاً للتحريض وقلب نظام الحكم .

 

إن عدم معرفة تلك الآثار التحريضية أو الاستخفاف بها , يشجع هؤلاء المحرضين إلى التمادي في غيهم  وسلوك الأدوات الأكثر عمقاً في تحقيق أهدافهم ,  وما كان ليحصل هذا لولا صمت العامة من الشعب أو السلطة الحاكمة , لعدم معرفتهم حقيقية ... تلك الطقوس وغاياتها ,  نعم  هنالك فرق كبير بين التحريض على العصيان , والخروج لأجل قضية ما , وبين القصد المبيت في إسقاط هذه الدولة وإن كانت تحكم بعدل الأرض كله ؛ وكلا الأمرين جريمة , واذا كان للأولى ما يبررها فإنه ليس للثانية ذلك على الإطلاق .

 

 

ليس هنالك في القانون نص يحدد ويبين , ومن ثم يجرّم وسائل التحريض , وإنما ترك ذلك لمحكمة الموضوع التي تستخلص من الوقائع والظروف قيام الركن المادي للجريمة , وفي هذه النقطة بالذات لو نظر حكام أهل السنة والجماعة في كل بلد ينتشر فيه التشيع , وبنسبة معينة , وحتى البلاد التي لم ينتشر فيها التشيع , لألزموا أنفسهم حمايةً لشعوبهم وأوطانهم من مخاطر تلك التحريضات إصدار القوانين والتشريعات التي تحد وتقيد تلك الظواهر بما يضمن سلامة الأمن والمجتمع .

 

ولا عجب بأن يتخذ الأفراد أو الشعوب في التحريض أشكالا عدة ؛ منها الإيماءات أو الإشارات أو الأقوال أو الأفعال المختلفة كالكتابة مثلاً  , أو كل ما يوحي للفاعل بفكرة الجريمة وارتكابها على سبيل القطع والجزم , لكنك تزداد عجباً وحيرةً حينما ترى من أولئك أنهم قد اتخذوا من تلك التحريضات التي جسدتها تلك الطقوس وسيلة ونمطا مطرداً يفسدون فيه الحياة ويخربون به الأوطان .

 

 

والتحريض ينقسم في القانون العام إلى قسمين :
تحريض خاص أو قل إن شئت عنه : التحريض الفردي , وهذا هو الأول .
والثاني : التحريض العام , والذي يكون موجهاً إلى مجموعةٍ أو إلى طائفةٍ أو إلى أمةٍ بعينها .
وهذا النوع أو هذا القسم , هو عين ما تمارسه الطائفة الشيعية ..تجاه الأمة السنية بالمطلق .

 

وأمام هذا التأريخ الحافل بالجرائم والتي  تمتد عبر التأريخ , فانه ينبغي على الحكام بصورة خاصة توجيه أصحاب التشريع لأجل أن يشرعوا أحكاما تحفظ كيان هذه المجتمعات وسلامتها من عبث هذه الطائفة وجرمها بشكل قاطع مانع , لأن هذه الطقوس لا يمكن أن تعد بحال حرية رأي , أو فكر , أو معتقد خصوصاً إذا ثبت أنها تشكل لهويةٍ أجرامية تروم العبث بمصير الأمة والنيل منها , والشارع الحكيم ومن أجل الحفاظ على كيان الأمة المسلمة شرع الأحكام التي تحد وتمنع من ظهور تلك الجماعات المارقة والتي تدّعي الإصلاح والخير : {انَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ
} [المائدة : 33]

 

وسياق الآية يدل على أنها نزلت في أولئك الذين خرجوا على إمام أو سلطان هذه الأمة وتمردوا عليه وروعوا أهل دار السلام واعتدوا على أرواحهم وأموالهم وحرماتهم , وهؤلاء الخارجون قد وصفهم الله تعالى بوصف بليغ يعري تلك النفوس عن كل طهر ويبعدهم عن كل حق .. إنهم  :[ يحاربون الله ورسوله ], لما في ذلك الخروج , خروج عما يريده  الله ورسوله والجماعة التي ارتضت شريعة الله ورسوله والدار التي ينفذ فيها حكم الله ورسوله , ذلك أن الأمة المسلمة في دار حكمها من حقها أن تعيش آمنة , ولسلطتها التي تقيم شرع الله حق الطاعة , وفي هذا الوسط الرفيع تتوفر الضمانات كلها للازدهار والتقدم

وهذا هو ما يوفره النظام العادل الذي يجب أن يصان من المساس  .

 

 

وإذا ما ...طبقت القوانين الرادعة ..التي تحقق مناط قول الله عز وجل , في الآية السابقة , فإن الخارجون المفسدون يرتدعون عن غييهم وفسادهم , وهذا هو بالحقيقة هو الذي يمثل المنهج المتكامل الذي يأخذ بالنفس البشرية من أقطارها طوعاً أو كرهاً , ويخاطب فيها تلك الكينونة من مداخلها جميعاً و ويلامس أوتارها الحية كلها , ويدفع بها إلى الطاعة ويصدها عن المعصية , وبذلك يتحقق الهدف وهو :  تحقيق تقويم النفس البشرية , وكفها عن الزيغ والانحراف , ولتعلم تلك النفوس ولو بعد حين أن العقوبة لم تكن غايةً أبداً لهذا الدين القويم , كما أنها ليست وسيلته الوحيدة .

 

إن الحاكم المسلم قبل مجتمعه يوفر لأهل الإسلام على اختلاف عقائدهم , ما يدفع عنهم خواطر الكوارث ويوفر له كل ضمانات العيش والكفاية , وضمانات التربية والتعليم , وضمانات العدالة والتوزيع .

5 + 2 =
محمد علي يوسف
مؤسسة الموصل
د.مالك الأحمد