إدخال السرور على القلوب...سمة المؤمنين
7 شعبان 1438
د. عامر الهوشان

كثيرة هي السمات النبيلة والخصال الحميدة التي يتميز بها عباد الله المؤمنين عن غيرهم من بني البشر , يُشار إليهم بها بين الأنام بالبنان , و يُعرفون من خلال التحلي والتخلق بها وكأنهم شامة في الناس ....إلا أن أهم ما يميز هذه الفضائل والمزايا أنها متعدية النفع إلى الغير .

 

 

فالمؤمن الحق لا يهنأ له عيش أو يقر له قرار وهو يرى غيره من الناس يتقلب في الكفر والضلال , فتراه يسعى بما آتاه الله من علم وجهد ووقت لهداية غيره إلى الحق , ويبذل وسعه في إخراج الناس من الظلمات إلى النور .

 

 

والمؤمن مع إخوانه الموحدين ومجتمعه المسلم دائم البشر خافض الجناح كثير التودد لعباد الله الصالحين , يحاول ما استطاع التخفيف عن إخوانه آثار أعباء الحياة وصعوباتها وتقلباتها , فيسد جوعة هذا ويقضي دين ذاك , ويواسي المريض ويساعد المحتاج , ويسعى على الأرملة والمسكين , فيدخل السرور إلى قلب كل مهموم ومكروب ومحزون , ويرسم البسمة على الوجوه , ويصنع البهجة في النفوس .

 

 

إن فن إدخال السرور على قلوب المسلمين لا يدركه إلا الأنقياء من عباد الله والأصفياء منهم , ولا تستطيعه إلا النفوس الكبيرة العظيمة , أما من ابتلي بداء السلبية أو الأنانية فلا يرى إلا نفسه وخاصته , فلا يمكن لأمثاله تحصيل شيء من هذا الخلق السامي .

 

 

يقع الكثير من المسلمين في خطأ كبير حين يقصرون العبادة على الشعائر التعبدية فحسب , ويُفوّت أمثال هؤلاء على أنفسهم خيرا كثيرا وفضلا عظيما حين يحصرون طاعة الله في الصلاة والصيام والزكاة والحج مع عظم مكانتها ومنزلتها في دين الله , فهناك الكثير من الأعمال الصالحة التي يمكن أن يدرك من خلالها المسلم منزلة عظيمة عند الله , وينال بفعلها الأجر العظيم والمثوبة الكبرى .

 

 

ولعل من أبرز هذه الأعمال وأكثرها مثوبة ومنزلة ومكانة عند الله "إدخال السرور على قلوب المسلمين" , ففي الحديث عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( أحبُّ الناسِ إلى الله أنفعُهم للناس وأحبُّ الأعمالِ إلى الله سُرُورٌ تُدْخِلُه على مسلم أو تَكْشِفُ عنه كُرْبَةً أو تَقْضِى عنه دَيْناً أو تَطْرُدُ عنه جُوعاً ) صحيح الجامع للألباني برقم/176

 

 

وفي رواية أخرى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي الأعمال أفضل؟ قال : ( إدخالك السرور على مؤمن ؛ أشبعتَ جَوْعَتَهْ، أو كسوتَ عَوْرَتَه، أو قضيتَ له حاجة ) رواه الطبراني في "الأوسط" وحسنه الألباني لغيره في صحيح الترغيب والترهيب برقم/954 .

 

 

لقد وصف الحديث الشريف إدخال السرور على قلب المسلم بأنه أفضل الأعمال عند الله , كما ارتقى بصاحب هذه السمة الإيمانية إلى أعلى الدرجات حين اعتبره أحب الناس إلى الله سبحانه .

 

 

وإذا كانت الأعمال التي تندرج تحت باب "إدخال السرور على قلوب المسلمين" لا يمكن إحصاؤها أو عدها , فقد ذكر الحديث الشريف بعضا من تلك الأعمال على سبيل المثال لا الحصر : إشباع الجائع , قضاء الدين , ستر العورة , كشف الكربات وقضاء الحاجات .....الخ .

 

 

ولما كانت الحياة الدنيا لا تخلو بطبيعتها لإنسان , ولا يمكن إلا أن يصاحبها شيء من الكدر والهم والغم والمصائب والأحزان .... فإن من شأن ذلك أن يجعل من إدخال السرور إلى القلوب عمل مستمر حتى في وقت السلم والأمن والاستقرار , بينما يزداد هذا العمل الصالح أهمية في مثل هذه الأوقات التي يعيشها المسلمون في هذا العصر , والذي كثرت فيه الهموم على القلوب , وتراكمت فيه الكروب على أفئدة الكثير من المستضعفين .

 

 

ولعل ما سبق هو السبب في جواب الإمام مالك حين سأله سائل فقال : "أي الأعمال تحب؟" فكان الجواب : "إدخال السرور على المسلمين، وأنا نَذَرتُ نفسي أُفرِج كُرُبات المسلمين" .

 

 

إن من أسرار عظمة دين الله سبحانه أن جعل في طاعته السعادة والهناء والاطمئنان في الدنيا والفوز والنجاة في الآخرة , وفي معصيته التعاسة والشقاء في الدنيا والخسران والعمى يوم القيامة , قال تعالى : { مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} النحل/97 , وقال تعالى : { وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى } طه/124 

 

 

ومن هنا يمكن تفسير ما تشير إليه الكثير من الدرسات الحديثة التي تؤكد  أن هناك ارتباطا وتلازما بين العطاء والسعادة , فكلما زاد عطاء الإنسان لغيره زادت سعادته وكانت نفسه سوية , وهو ما يجعل من مقولة : "لذة العطاء تفوق لذة الأخذ" حقيقة علمية . 

 

 

ففي دراسة أجريت على جميع أنواع الإدمان - كما ينقل الدكتور وليد فتيحي - لاحظ الباحثون أنها تهدف إلى شيء واحد هو : إفراز "الدوبامين" بتكرار الإدمان السلوكي أو غيره للحصول على النشوة المطلوبة و "السعادة" , حيث إن هذه المادة هي المسؤولة عن ذلك , وقد وجد الباحثون أن نوعا واحدا من البشر محصنين من كل أنواع وأصناف الإدمان , لأنهم لا يحتاجون إليه لإفراز هذه المادة , فهم من أكثر الناس الذين تفرز أدمغتهم هذه المادة "الدوبامين" بشكل طبيعي , والسر في ذلك أنهم قد كرسوا حياتهم من أجل نفع الآخرين , فهم في غاية السرور و السعادة .

 

 

والحقيقة أنه لا يمكن في هذا المقال ذكر الأمثلة والشواهد الكثيرة التي تؤكد هذه الحقيقة , فكثيرون هم الذين تحدثوا عن تلك السعادة التي غمرت قلوبهم حين شاهدوا البسمة على وجوه إخوان لهم ساهموا في سد جوعتهم , أو بذلوا ما استطاعوا للتخفيف من آلام أوجاعهم أو ....أو .....الخ .

 

 

ويستطيع القارئ الكريم أن يجرب طعم تلك السعادة إن هو بادر بعمل صالح يدخل من خلاله السرور على قلب أخيه المسلم .

 

 

السلام عليكم . جزاكم الله خيرا علي هذه المادة وما تقدمونه لنا ونسأل الله ان ينفع بكم الاسلام والمسلمين
9 + 1 =