"معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون"
6 رمضان 1438
د. عامر الهوشان

استوقفني هذا الجزء من الآية الكريمة في سورة الأعراف , والذي يتضمن إجابة الملتزمين بأمر الله تعالى ونهيه من سكان قرية يقال لها "أيلة" على شاطئ البحر بين مدين والطور كما قال أكثر المفسرين , على سؤال بعضهم ممن آثر السكوت عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر : { وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } الأعراف/164 

 

 

القصة من البداية يذكرها كتاب الله تعالى في نفس السورة : { وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ } الأعراف/163 

 

 

قال السعدي في تفسيره : ..... فتحيلوا على الصيد ، فكانوا يحفرون لها حفرا، وينصبون لها الشباك، فإذا جاء يوم السبت ووقعت في تلك الحفر والشباك، لم يأخذوها في ذلك اليوم، فإذا جاء يوم الأحد أخذوها، وكثر فيهم ذلك، وانقسموا ثلاث فرق : معظمهم اعتدوا وتجرؤوا، وأعلنوا بذلك...... وفرقة أعلنت بنهيهم والإنكار عليهم........وفرقة اكتفت بإنكار أولئك عليهم ونهيهم لهم، وقالوا لهم : { لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا } كأنهم يقولون: لا فائدة في وعظ من اقتحم محارم اللّه، ولم يصغ للنصيح، بل استمر على اعتدائه وطغيانه، فإنه لا بد أن يعاقبهم اللّه، إما بهلاك أو عذاب شديد.

 

 

فأجاب الواعظون : نعظهم وننهاهم { مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ } أي: لنعذر فيهم أمام الله الذي أوجب علينا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . { وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } أي : يتركون ما هم فيه من المعصية ، فلا نيأس من هدايتهم ، فربما نجع فيهم الوعظ ، وأثر فيهم اللوم .

 

 

اللافت في الأمر هو ختام القصة وما حلّ بهؤلاء القوم , إذ ذكر الله تعالى عاقبة كل من الفرقة التي اعتدت في السبت وخالفت أمر الله تعالى والفرقة التي أمرت بالمعروف ونهت عن المنكر واعتزلت العاصين فقال تعالى : { فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ } الأعراف/165 

 

 

أما الفرقة الثالثة التي أصابها اليأس من إصلاح القوم على ما يبدو ولم تكتف بالصمت والتقاعس عن القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فحسب , بل راحت تتساءل عن جدوى دعوة قوم قد أوشك أن يهلكهم الله أو يعذبهم عذابا شديدا ....فلم يأت في كتاب الله جزم بمآلهم وجزائهم .

 

 

وبالعودة إلى كتب التفسير يمكن القول بأن هناك آراء ثلاثة حول عاقبة هذه الفرقة والفئة : أما الأول فيميل إلى أن القرآن الكريم قد أهمل ذكرهم عن قصد وعمد , إذ  الجزاء من جنس العمل ، فهم بسكوتهم وعدم إنكارهم للمنكر لا يستحقون مدحا فيمدحوا، وبعدم ارتكابهم الإثم والمنكر لا يستحقون ذما فيذموا .

 

 

وأما الثاني : فيرى أنهم من الناجين , وقد أورد ابن كثير قول علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : "...... فلما وقع عليهم غضب الله نجت الطائفتان اللتان قالوا: { لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ } والذين قالوا: { مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ } وأهلك الله أهل معصيته الذين أخذوا الحيتان، فجعلهم قردة" . 

 

 

ورجح هذا الرأي السعدي في تفسيره إذ قال : وأما الفرقة الأخرى التي قالت للناهين: { لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ } فاختلف المفسرون في نجاتهم وهلاكهم، والظاهر أنهم كانوا من الناجين، لأن اللّه خص الهلاك بالظالمين، وهو لم يذكر أنهم ظالمون فدل على أن العقوبة خاصة بالمعتدين في السبت، ولأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط عن الآخرين، فاكتفوا بإنكار أولئك، ولأنهم أنكروا عليهم بقولهم: { لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا } فأبدوا من غضبهم عليهم، ما يقتضي أنهم كارهون أشد الكراهة لفعلهم، وأن اللّه سيعاقبهم أشد العقوبة.

 

 

ويبقى هناك رأي ثالث - وإن كان مرجوحا – أورده ابن كثير في تفسيره يقول بأنهم مشمولين بالعذاب مع الظالمين لعدم إنكارهم وعدم اعتزالهم للظالمين والمتجاوزين لحدود الله , قال ابن عباس رضي الله عنهما : كانوا أثلاثًا: ثلث نهوا، وثلث قالوا: { لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ } وثلث أصحاب الخطيئة، فما نجا إلا الذين نهوا وهلك سائرهم.

 

 

إن خلاصة ما يمكن الوقوف عليه في هذه الآيات هو أن الدعوة إلى الله تعالى من الواجبات , وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا ينبغي أن يرتبط استمراره على استجابة المدعوين من عدمه , فالمسألة تتعدى حدود النتائج و قطف الثمار و رؤية الآثار إلى أداء الواجب والتزام أمر الله وتقديم العذر أمام الله غدا يوم الحساب . 

 

 

والحقيقة أن نظرة سريعة لواقع حال المسلمين اليوم مع فريضة الدعوة إلى الله و واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجعل المرء يتساءل : كم عدد أولئك الذين يمكن تصنيفهم ضمن الفئة الثالثة التي تقاعست عن واجب الدعوة إلى الله بذريعة اليأس من الإصلاح و القنوط من إمكانية التغيير ؟!! وإلى أي مدى باتت فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مرتبطة وجودا وعدما بالنتائج والثمار دون اعتبار لنص الآية الواضح والصريح : { .....قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } ؟!! 

 

 

وإذا كان عدد أولئك الذين غفلوا عن مضمون هذه الآية الكريمة كثر , وأعداد من تقاعسوا عن واجب الدعوة إلى الله بذريعة اليأس من الإصلاح أكثر ..... فإن من واجب علماء الأمة ودعاتها أن يذكروهم بأن الدعوة إلى الله هي تعبير عن الطاعة والالتزام بأمره سبحانه قبل أن تكون طريقة و وسيلة لهداية الناس , وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو عبادة قبل أن يكون سبيلا لإصلاح المجتمع وتقليلا للمفسدين وتكثيرا للصالحين . 

6 + 13 =