في نور آية كريمة.. "والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار"
12 رمضان 1438
أمير سعيد

"وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ" (100) التوبة

 

 

جاءت هذه الآية لتبيان فضائل أشراف المسلمين، أهل السبق والفضل، من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن اتبعهم وسار عن منهاجهم، منهاج الإيمان والإحسان، يقول أبو الحسن الماوري في تفسيره: "قوله عز وجل: والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار فيهم أربعة أقاويل:

أحدها: أنهم الذين صلوا إلى القبلتين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قاله أبو موسى الأشعري وسعيد بن المسيب.
الثاني: أنهم الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان ، قاله الشعبي وابن سيرين.
الثالث: أنهم أهل بدر ، قاله عطاء .
الرابع: أنهم السابقون بالموت والشهادة من المهاجرين والأنصار سبقوا إلى ثواب الله تعالى وحسن جزائه.

 

ويحتمل خامسا: أن يكون السابقون الأولون من المهاجرين هم الذين آمنوا بمكة قبل هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم ، والسابقون الأولون من الأنصار هم الذين آمنوا برسول الله ورسوله قبل هجرته إليهم". قال القرطبي: "واتفقوا على أن من هاجر قبل تحويل القبلة فهو من المهاجرين الأولين من غير خلاف بينهم".

 

 

وأخرج البخاري في صحيحه بكتاب المناقب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "قريش والأنصار وجهينة ومزينة وأسلم وغفار موالي ليس لهم مولى دون الله ورسوله"، وقال البخاري في صحيحه: "من صحب النبي صلى الله عليه وسلم أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه". ونقل القرطبي عن أبي منصور البغدادي التميمي قوله: "أصحابنا مجمعون على أن أفضلهم الخلفاء الأربعة، ثم الستة الباقون إلى تمام العشرة، ثم البدريون ثم أصحاب أحد ثم أهل بيعة الرضوان بالحديبية". ويقول السيوطي في الإكليل عن الآية: "فيها تفضيل السابق إلى الإسلام والهجرة وأن السابقين من الصحابة أفضل ممن تلاهم". والأنصار جمع نصير وهو الناصر، وهو كما يقول القرطبي "اسم إسلامي. قيل لأنس بن مالك : أرأيت قول الناس لكم : الأنصار ، اسم سماكم الله به أم كنتم تدعون به في الجاهلية ؟ قال : بل اسم سمانا الله به في القرآن".

 

 

وقد أورد الألوسي في تفسيره، والسيوطي في الدر المنثور أنه قد روي عن حميد بن زياد أنه قال: "قلت يوما لمحمد بن كعب القرظي: ألا تخبرني عن أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فيما كان بينهم من الفتن؟ فقال لي: إن الله تعالى قد غفر لجميعهم وأوجب لهم الجنة في كتابه محسنهم ومسيئهم . فقلت له: في أي موضع أوجب لهم الجنة؟ فقال: سبحان الله ألا تقرأ قوله تعالى: والسابقون الأولون الآية فتعلم أنه تعالى أوجب لجميع أصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم الجنة والرضوان وشرط على التابعين شرطا. قلت: وما ذلك الشرط؟ قال: شرط عليهم أن يتبعوهم بإحسان وهو أن يقتدوا بهم في أعمالهم الحسنة ولا يقتدوا بهم في غير ذلك أو يقال: هو أن يتبعوهم بإحسان في القول وأن لا يقولوا فيهم سوءا وأن لا يوجهوا الطعن فيما أقدموا عليه، قال حميد بن زياد: فكأني ما قرأت هذه الآية قط"، فالصحابة قد اتفق العلماء على أنهم كلهم عدول. يقول الشنقيطي في أضواء البيان: "هو دليل قرآني صريح في أن من يسبهم ويبغضهم، أنه ضال مخالف لله جل وعلا؛ حيث أبغض من رضي الله عنه، ولا شك أن بغض من رضي الله عنه مضادة له جل وعلا، وتمرد وطغيان". ويقول ابن عطية: "نبهت هذه الآية من التابعين وهم الذين أدركوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما نبه من ذكرهم قوله صلى الله عليه وسلم: "اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار" فتأمله.   

 

 

وقد تقدم أن الإحسان هو الأعمال الحسنة، وهو الإيمان في قول، والإخلاص في آخر، والمعنى واحد، أنهم من اقتدوا بالصحابة في صالح أعمالهم. و"رضي الله عنهم" هو عنايته بهم وإكرامه إياهم ودفاعه أعداءهم، وأما رضاهم عنه فهو كناية عن كثرة إحسانه إليهم حتى رضيت نفوسهم لما أعطاهم ربهم. والإعداد: التهيئة. وفيه إشعار بالعناية والكرامة. قاله الطاهر بن عاشور في التحوير والتنوير.

 

 

إن هؤلاء هم من نقلوا الوحي لنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أنبأنا الله سبحانه وتعالى أنه قد رضي عنهم فتعين أن نترضى عنهم، وأن نحذو حذوهم ونسير على طريقهم.. هذا الطريق هم يتقدمون فيه المسلمون من بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحبهم قد صار من بعد ومن قبل عنواناً لأهل السنة يمتازون فيه عمن ضل من الفرق التي تهدم الدين بهدم صورتهم والنيل من عدالتهم ومكانتهم، يقول ابن كثير: "فيا ويل من أبغضهم أو سبهم أو أبغض أو سب بعضهم، ولا سيما سيد الصحابة بعد الرسول وخيرهم وأفضلهم، أعني الصديق الأكبر والخليفة الأعظم أبا بكر بن أبي قحافة، رضي الله عنه، فإن الطائفة المخذولة من الرافضة يعادون أفضل الصحابة ويبغضونهم ويسبونهم، عياذا بالله من ذلك. وهذا يدل على أن عقولهم معكوسة، وقلوبهم منكوسة، فأين هؤلاء من الإيمان بالقرآن، إذ يسبون من رضي الله عنهم؟ وأما أهل السنة فإنهم يترضون عمن رضي الله عنه، ويسبون من سبه الله ورسوله، ويوالون من يوالي الله، ويعادون من يعادي الله، وهم متبعون لا مبتدعون، ويقتدون ولا يبتدون ولهذا هم حزب الله المفلحون وعباده المؤمنون".

 

6 + 3 =
محمد علي يوسف
مؤسسة الموصل
د.مالك الأحمد