مقاصد الصوم
12 رمضان 1438
أ. د. عبد الله الزبية عبد الرحمن

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبيه الأمين، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:

 

فهذا مقال مستل من كتاب سؤالات للصائمين للمؤلف حفظه الله وقد أذن لنا مشكوراً بنشره. وجاء فيه:

 

إن ربط الأحكام الشرعية بمقاصدها من كمال الفقه وتمام النظر، وكثيراً ما يُحكم على الأفعال والتصرفات دون التفات إلى مقاصدها وأهدافها التي قصد الشارع الحكيم تحقيقها من التكليف، فيسيء الحكم والفُتيا أكثر من إحسانهما، ويفسدان أكثر من إصلاحهما، وكم من المفتين مَن أفتى في قضايا بنظر جزئي فتاهت الأمة سنوات، وانقطع قادتها عن مسالك الخير والحق أزماناً، وتوقّفت الدعوة أعواماً وأحقاباً، والفُتيا تقدير وتصوّر، والحكم على الشيء فرع عن تصوّره كما يقول أهل أصول الفقه رحمهم الله.

 

لهذا: كان من حسن الابتداء والمدخل إلى فتاوى الصيام أن نقدّم لها بمقاصد الصيام، والتي ما غفل عنها أهل التحقيق في الفقه رحمهم الله.

 

وبعد النظر في أقوال العلماء وجدت أن أهم مقاصد الصوم أربعة، هي:

-    تحصيل التقوى لتزكية النفس.
-    سدّ مسالك الشيطان لكسر الشهوات.
-    توفير الطاعات ومضاعفة المثوبات للدخول من باب الريّان.
-    تبيين مظاهر التيسير وأوجه التخفيف لشكر الرؤوف الرحيم.

 

أولاً: تحصيل التقوى لتزكية النفس:

وهذا المقصد يقف عليه كل تالٍ للقرآن في آية الصوم والله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة:183].

 

والنفس إذا شبعت طمحت إلى المعاصي، وتشوَّفت إلى المخالفات، وإذا جاعت وظمئت تشوّفت إلى الطاعات، وتذكرت ربها فتطلّعت إلى المناجاة، ولذلك كان بعض السلف يقدّم الصوم على سائر العبادات فسئل عن ذلك فقال: "لأنْ يطّلع الله على نفسي وهي تنازعني إلى الطعام والشراب أحبّ إليّ من أنْ يطلع عليها وهي تنازعني إلى معصيته إذا شبعتْ"(1).

 

وفي الصيام خروج عن مألوف النفس إلى مراد الرب، وتحرر من مطالب النفس إلى مطالب الشرع، وتقديم لمحاب الله على محاب الذات، وفي ذلك كله ترويض للنفس على تشوّف الطاعة ومباينة المخالفة، وتدريب للقلب على الإخلاص لله والتجرد من العلائق الحاجية عنه جل وعلا، وذلك من تمام التزكية.

 

يقول ابن القيم رحمه الله: "وللصوم تأثير عجيب في حفظ الجوارح الظاهرة، والقوى الباطنة، وحميتها عن التخليط الجالب لها المواد الفاسدة التي إذا استولت عليها؛ أفسدتها، واستفراغ المواد الرديئة المانعة لها من صحتها، فالصوم يحفظ على القلب والجوارح صحتها، ويعيد إليها ما استلبته منها أيدي الشهوات، فهو من أكبر العون على التقوى(2).

 

ثانياً: سدّ مسالك الشيطان لكسر الشهوات:

لأنّ الجوع والعطش يكسران شهوة المعاصي، إذ المعاصي والكبائر أخطرها وأفسدها على الفرد والمجتمع: ما كان متعلقاً بشهوات البطن والفرج، فسدّ الله تعالى بالصيام مسالكهما على الشيطان.

 

فالغريزة الجنسية من أخطر أسلحة الشيطان في إغواء الإنسان، لذلك جاءت الوصية النبوية لأكثر فئات الناس تعرّضاً للإغواء بسببها "الشباب" صريحة فقال عليه الصلاة والسلام: "يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وِجاء"(3)، فتأثير الصوم على كسر شهوة الفرج كمن رضَّ أُنثييه فلم يعدْ يشتهي أو يرغب، وقد جاء في الحديث: "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، (فضيقوا مسالكه بالجوع)"(4).

 

ويفسّر ابن العربي قوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} فيقول: (لعلكم تضعفون فتتقون، فإنه كلما قلّ الأكل ضعفت الشهوة، وكلما ضعفت الشهوة قلّت المعاصي) ا.هـ(5).

 

ثالثاً: توفير الطاعات ومضاعفة المثوبات للدخول من باب الريّان:

ومن الطاعات التي يوفرها الصيام:

1 – تكثير الصدقات:

لأن الصائم إذا جاع تذكّر ما فيه من الجوع فحثّه ذلك على إطعام الجائع، وقد حُكي عن نبي الله سليمان عليه السلام أنه كان لا يأكل حتى يأكل جميع المتعلقين به، فسئل عن ذلك فقال: (أخاف أن أشبع فأنسى الجائع)(6).

 

وروي عن يوسف عليه السلام أنه كان لا يشبع من طعام فقيل له: أتجوع وبيدك خزائن الأرض؟ فقال: (إنْ أخاف إنْ شبعتُ أنْ أنسى الجائع)(7).

 

وكان النبي صلى الله عليه وسلم جواداً بطبعه في كل السنة ولكن كان في رمضان أجود بالخير من الريح المرسلة. وتعلمت عائشة والصحابة رضوان الله عليهم منه فكانوا كذلك جوادين، فقد أنفقت عائشة في يوم من أيام الصيام مائة ألف درهم، فقالت لها خادمتها: لو أبقيت لنا ما نفطر عليه اليوم! فقالت: "لو ذكرتيني لفعلت".

 

وفوق ذلك كله أوجب الشرع صدقة الفطر على كل مسلم قادر عليها تكثيراً للصدقات في شهر المواساة.

 

2 – قيام الليل:

فإن كان قيام الليل من أعظم النوافل وأكثرها جلباً لمحبة الله! فإن قيام الليل في رمضان مرغّب فيه بخصوصه، فوردت فيه النصوص واجتمع له الصحابة والتابعون ومن تبعهم بإحسان، ولا يزال الناس يجتمعون لقيام ليالي رمضان، وفي ذلك من مظاهر الطاعة لله ما فيه والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه"(8).

 

3 – إفطار الصائم:

من أعظم الطاعات إفطار الصائم وما جعله الله من أجر ومثوبة، وفي الحديث: "إن الصائم تصلي عليه الملائكة إذا أُكل عنده حتى يفرغوا"(9).

 

4 – ليلة القدر:

ومن توفير الطاعات وتكثير المثوبات جعل ليلة من ليالي رمضان خيراً من ألف شهر، فمن قام هذه الليلة كمن قام ألف شهر، ومن ذكر الله في هذه الليلة كمن ذكره ألف شهر، وأي أجر يكون أكثر من هذا وأي مثوبة تُرجى أكثر منه!! وقد قال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} [سورة القدر].

 

5 – تلاوة القرآن:

فإن الصائم الموفق يجد نفسه في رمضان مرتبطاً بكتاب الله يتلوه حقّ تلاوته، وأكثر ما يجد نفسه تالياً في رمضان، لأنه شهر القرآن، وكل أهل العلم كانوا إذا دخل رمضان تفرّغوا لتلاوة القرآن ومدارسته والوقوف على معانيه وفي هذا الأجر العظيم والمثوبة العظيمة والطاعة الظاهرة.

 

وكل ذلك ليوصل العبد الطائع الصائم إلى الجنان من باب الريان كما وردت الأحاديث: "إن في الجنة باباً يقال له الريان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل معهم أحدٌ غيرهم، يقال: أين الصائمون؟ فيدخلون منه، فإذا دخل آخرهم أُغلق، فلم يدخل منه أحد"(10).

 

رابعاً: تبيين مظاهر التيسير لشكر الرؤوف الرحيم:

والشارع في كل حكم من أحكام الصيام يجد له المتدبر وجهاً من أوجه التيسير:

فالصائم العاجز لهرم وكبر سقط عنه الصيام ويطعم المسكين إن كان قادراً فخفف عنه الصوم رحمةً به وكثر له ما يسلك به إلى باب الريّان بالصدقة والإطعام.

 

والمريض الذي يخشى ازدياد المرض أو تأخر البرء أو مشقته رخّص له في الفطر رحمة به.

 

والمسافر الذي يخشى لأواء السفر خفّف عنه فرخّص له في الفطر.

 

والحامل والمرضع إنْ خافتا على أنفسهما أو ولديهما أسقط عنهما الشارع الصوم رحمة بهما.

 

إذا اشتدّ الحر أو اشتد الجوع والعطش إلى درجة الهلاك والمشقة الزائدة رخّص الشارع في الفطر.. وهكذا.. فلا تجد إلا التيسير في كل وجه من أوجه الصيام، وصدق الله: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة:185]، فكل ذلك لو ينتبه الصائمون إلى تيسير الله لهم وتخفيفه عنهم فيشكرون الله حق شكره الرؤوف الرحيم.

 

__________________________________

(1)    مقاصد الصوم، العز بن عبد السلام، ص17.
(2)    زاد المعاد 2/29، عن فقه الصيام للقرضاوي ص15.
(3)    أخرجه البخاري في الصوم برقم 1905، ومسلم في أول كتاب النكاح برقم 1400، وأحمد في المسند 1/378.
(4)    أخرجه البخاري في الاعتكاف برقم 2039، ومسلم في كتاب السلام برقم 2175، وأبو داود في كتاب الصوم برقم 2470، وابن ماجه في الصيام برقم 1779، ويراجع شرحه في شرح مشكل الآثار للطحاوي 1/101، والجملة الأخيرة (فضيفوا مسالكه بالجوع) من إدراج الرواة، وليست من لفظ الحديث كما قال المحدثون.
(5)    أحكام القرآن 1/75.
(6)    مقاصد الصوم ص16.
(7)    تفسير القرطبي، م5 ج9 ص191.
(8)    أخرجه الشيخان البخاري كتاب الإيمان، باب تطوع قيام رمضان 1/22، ومسلم باب الترغيب في قيام رمضان 1/523.
(9)    أخرجه أحمد في المسند 6/365، والدارمي في سننه في كتاب الصوم برقم 1738.
(10)    أخرجه البخاري في الصوم برقم 1896، ومسلم في الصيام باب فضل الصيام.



1 + 8 =