قضايا السوق في فكر رواد الاقتصاد الإسلامي الإمام ابن تيمية نموذجاً
24 رمضان 1438
د. أشرف صالح

لقد كان تنظيم الحياة الاقتصادية في المدينة خلال عهد الرسول صلى الله عليه وسلم يعتبر أساساً للبناء الاقتصادي لهذه المدينة، وقد ارتبط ذلك بعملية البناء الأخلاقي والاجتماعي والسياسي في إطار الإسلام، إذ كانت المدينة عند الفلاسفة القدماء تتحول تدريجياً إلى مثال حي لما أطلق عليه الفلاسفة اسم "المدينة الفاضلة" أو المثالية، ولكن الوضع في المدينة المنورة اختلف عن تصورات الفلاسفة القدماء؛ فالمثالية التي قامت عليها مدن أفلاطون وأرسطو- مثلاً - كانت خيالية، بحيث افتقرت إلى مَنْ يحملها محمل التنفيذ العملي فبقيت أفكاراً مدونة في الكتب فقط، أما المثاليات التي قامت عليها المدينة المنورة فكانت قابلة للتطبيق، بل تم تطبيقها فعلاً تحت إشراف وإدارة النبي صلى الله عليه وسلم. وكانت المدينة قبل هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم تُدعى "يثرب" وكانت تعاني من صراعات داخلية يؤجج اليهود نارها بين قبائل الأوس والخزرج. وقد أفسدت تلك الصراعات الحياة الاقتصادية لسكانها من العرب وتركت الساحة لظهور احتكارات اليهود في جميع المجالات، خاصةً التجارة والصناعة، فوضع الرسول صلى الله عليه وسلم أول دستور عُرف في التاريخ ينظم ويضبط الحياة في المدينة، وكان البناء الأخلاقي القائم على العقيدة الإسلامية هو الأساس الجديد للتنظيم الاقتصادي والحياة الاقتصادية في المدينة المنورة، فاستقر الناس واتسعت المدينة وأصبحت سوقاً واسعاً للعرض والطلب.

 

وقد اهتم الخلفاء والتابعون بأمر ضبط الأسواق والمكاييل والموازين وجعلوا إحدى المهام الرئيسة للمحتسب تفقُّد أحوال الأسواق والتأكد من صحة الموازين والمكاييل ومعايرتها، كما كان المحتسب - وكان أهل الأندلس يطلقون عليه "صاحب السوق"- يمنح حق التعزير (التأديب) في مَنْ يخالف الأنظمة أو يغير هذه الأوزان، وقد اهتم الخلفاء المسلمون بهذه الوظيفة وجعلوا من الشروط التي يجب أن تتوافر في المحتسب، التقوى والورع والمعرفة الجيدة بالأحكام الشرعية عامة - وأحكام السوق خاصة - وأمور البيع والشراء. كما اهتم علماء المسلمين بالتأليف في هذا الجانب وخصصوا كتباً قيمة تعالج أهم أحكام الحسبة، وامتد هذا الاهتمام إلى الناحية الفكرية؛ إذ عني العلماء والمفكرون المسلمون بهذا الموضوع وأولوه ما يستحق من اهتمام ووقت، فهناك مَنْ تناول موضوع الحسبة وضبط شؤون الأسواق، وألفوا كتباً عديدة في هذا الباب، وإن من بين هؤلاء المجتهدين والمفكرين في الفقه والفكر الإسلامي عموماً، وفي الفكر الاقتصادي خصوصاً الإمام ابن تيمية (661 - 728هـ / 1263 – 1328م).

 

قدم الإمام نموذجاً فعالاً للإشراف ومراقبة الأسواق وحماية المجتمع، والحفاظ على قيمه من خلال طرحه لمفهوم الحسبة في الإسلام، كآلية فعالة لضمان العدالة والتوازن في المجتمع، ويُعَدّ كتابه "الحسبة في الإسلام" من الكتب المهمة التي لها تأثير كبير بالفعل على المجتمع والتي تضع آليات ومعايير لضمان استقرار المجتمع وتحقيق العدالة والتوازن الاقتصادي.

 

الغش التجاري:
أوضح شيخ الإسلام ابن تيمية أن الغش يدخل في البيوع بكتمان العيوب وتدليس السلع أي عدم وجود شفافية في المعلومات في السوق، وأن الغش والتدليس يمكن أن يكون في البيع مثل أن يكون ظاهر ما يقدمه البائع خيراً من باطنه، وهو ما قد نشاهده اليوم عند بعض البائعين الذين يجذبون المستهلكين بالشكل البراق للسلعة ثم يفاجأ المشتري بأنه قد اشترى شيئاً مخالفاً، وقال ابن تيمية أيضاً إن الغش قد يكون في الصناعات "مرحلة الإنتاج" مثل السلع الغذائية كالخبز والشواء وغير ذلك، أو سلع الغزل والنسيج من النساجين والخياطين ونحوهم، أو يصنعون غير ذلك من الصناعات، فيجب نهيهم عن الغش والخيانة والكتمان، ومن هؤلاء الكيماوية، الذين يغشون النقود والجواهر والعطر وغير ذلك، فيصنعون ذهباً أو فضة أو عنبراً أو مسكاً أو جواهر أو زعفراناً أو ماء ورد أو غير ذلك.

 

الاحتكار:
أكد شيخ الإسلام ابن تيمية أن الاحتكار فيه ظلم كبير للمجتمع، وأن الاحتكار يكون وقعه شديداً وواضحاً وسريعاً في سوق السلع الغذائية، وقال ابن تيمية إن المحتكر هو الذي يعمد إلى شراء ما يحتاج إليه الناس من الطعام فيحبسه عنهم ويريد إغلاءه عليهم، وهو ظالم للخلق المشترين، وشدد على ضرورة أن تقوم الدولة أو مَنْ يمثلها "المحتسب" بمنع الاحتكار الذي يقضي على عدالة التوزيع والأسعار.

 

الأسعار:
يرى ابن تيمية أن الأصل في التشريع الإسلامي حرية البيع والشراء وما يتبع ذلك من تحديد السعر، إذ ليس في الكتاب والسنة ما يدل على التحديد، بل فيهما ما يدل على الإطلاق وحرية المتبايعين ومن ذلك امتناع الرسول صلى الله عليه وسلم عن التسعير حين غلا السعر في عهده. ولكن ابن تيمية أفتى بأن هناك حالات يجوز فيها التسعير، وفي ذلك يقول: "ومن هنا يتبين أن السعر منه ما هو ظلم ولا يجوز إكراههم بغير حق على البيع بثمن لا يرضونه أو منعهم مما أباحه الله لهم فهو حرام، وإذا تضمن العدل بين الناس مثل إكراههم على ما يجب عليهم المعاوضة بثمن المثل ومنعهم مما يحرم عليهم من أخذ زيادة على عوض المثل فهو جائز بل واجب". ويقول أيضاً: "فإذا كان الناس يبيعون سلعهم على الوجه المعروف من غير ظلم منهم وقد ارتفع السعر إما لقلة الشيء أو لكثرة الخلق فهذا إلى الله؛ فإلزام الخلق أن يبيعوا بقيمة بعينها إكراه بغير حق"، وبهذا المعنى قد اقترب من مفهوم الطلب والعرض بالمفهوم الحديث. وقد بين ابن تيمية الحالات التي يجب أن تتدخل فيها الدولة بالتسعير، وهي: (الاحتكار، وبيع السلع لأناس معروفين فقط، وحالة التواطؤ بين البائعين أو المشترين)، على أن يكون تدخل الدولة وتحديد السعر العادل من خلال التفاوض مع وجهاء السوق وبرضاهم.

 

المعاملات المحرمة:
تحدث ابن تيمية عن المنكرات، ويدخل فيها ما نهى الله عنه ورسوله من العقود المحرمة، مثل عقود الربا والميسر، ومثل بيع الغرر، وربا النسيئة، وربا الفضل، وكذلك النجش، وهو أن يزيد في السلعة مَنْ لا يريد شراءها وسائر أنواع التدليس. وكذلك المعاملات الربوية سواء كانت ثنائية أو ثلاثية إذا كان المقصود بها جميعها أخذ دراهم بدراهم أكثر منها إلى أجل. فالثنائية ما يكون بين (اثنين): مثل أن يجمع إلى القرض بيعاً أو إجارة أو مساقاة أو مزارعة، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن ولا بيع ما ليس عندك". ومثل أن يبيعه سلعة إلى أجل ثم يعيدها إليه؛ ففي سنن أبي داود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا"، والثلاثية: مثل أن يدخلا بينهما محللاً للربا يشتري السلعة من آكل الربا ثم يبيعها المعطي للربا إلى أجل ثم يعيدها إلى صاحبها بنقص دراهم يستفيد منها المحلل.

 

البيع الوهمي:
دعا ابن تيمية إلى اقتصاد حقيقي وليس وهمي من خلال دعوته إلى أن يقوم المنتجون ببيع السلع الموجودة في الأسواق بالفعل وليست سلعاً آجلة، أي لم تنتج ولم تطرح في السوق، فيجب ألا يبيع البائع سلعة ويحصل على ثمنها قبل أن يطرحها في الأسواق بالفعل، وفي هذا حماية للمنتج قبل المشتري لأن البائع أو المنتج يفترض سعراً معيناً للسلعة قبل إنتاجها أو طرحها في السوق وعندما ينتجها قد تكون التكلفة لديه قد زادت ومن ثمَّ سعرها الحقيقي من الممكن أن يكون أعلى من الذي قد بيع به مسبقاً فيصاب بالخسارة أو الظلم، كما أن بيع السلعة قبل نزولها السوق فيه ظلم للمشتري لأنه يشتري سلعة لم يرها، ومن ثم يحدث للمشتري نوع من التدليس أو الظلم.

 

في الحقيقة ليس من المعقول أن نجد مؤلفات عن الفكر الاقتصادي تتجاهل الفكر الإسلامي، فتبدأ من تصورات أفلاطون وأرسطو ثم تقفز إلى القرن الثامن عشر متجاهلة ما بذل من مجهودات علمية في القرون الأخرى وخاصةً في ظل الحضارة الإسلامية، فذلك إجحاف كبير في حق الفكر الاقتصادي الإسلامي والمفكرين والفقهاء المسلمين، الذين أولوا الجانب الاقتصادي اهتماماً في دراساتهم سواء بشكل مستقل أو كجزء لا يتجزأ من أبحاثهم الفقهية والاجتماعية، فعلم الاقتصاد القائم الآن على مجموعة نظريات، ما هو في الحقيقة إلا نتيجة للتراكم المعرفي عبر العصور المتتالية.  
 

 

المراجع:
- الزهراء عاشور، "الحسبة الاقتصادية في الفكر المالي للشيخ ابن تيمية" - مجلة دراسات اقتصادية (الجزائر) - ع22 ديسمبر 2013.
- سكينة بويلي، الفكر الاقتصادي عند ابن خلدون والمقريزي: دراسة تحليلية مقارنة في ظل النظريات الاقتصادية العالمية - باتنة  كلية العلوم الإسلامية – جامعة الحاج لخضر (الجزائر)، 2015.
- محمد عودة العمايدة، "التسعير والأثمان في فقه شيخ الإسلام ابن تيمية" - مجلة إسلامية المعرفة (لبنان) - مج6، ع22 خريف 2000.
- موسوعة الإدارة العربية الإسلامية، القاهرة: المنظمة العربية للتنمية الإدارية، 2004 (مج5).
 

 

المصدر/ مجلة البيان

2 + 11 =