"وحسن عبادتك"
20 شوال 1438
د. عامر الهوشان

جزء من دعاء غال وثمين أوصى به رسول الله صلى الله عليه وسلم من يحب من أصحابه أن لا يدعه دبر كل صلاة , ففي الحديث عن معاذ بن جبل أنه قال : أخذ رسول الله صلى الله عليه و سلم يوما بيدي فقال لي : ( يا معاذ والله إني لأحبك ) فقلت : بأبي أنت وأمي والله إني لأحبك قال : ( يا معاذ إني أوصيك لا تدعن أن تقول دبر كل صلاة : اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ) صحيح ابن خزيمة برقم/751 وصحيح ابن ماجه للألباني برقم/2020 

 

 

قال ابن رجب في مجموع رسائله : حسن العبادة : إتقانها والإتيان بها عَلَى أكمل وجوهها , وإلى هذا أشار النبي -صلى الله عليه وسلم- لما سأله جبريل عن الإحسان فَقَالَ: ( ....أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ، فَإِنَّهُ يَرَاكَ ) صحيح البخاري برقم/50 

 

 

وقد وردت الكثير من أحاديث فضائل الأعمال مقيدة بإحسان العمل، منها حديث عثمان رضي الله عنه، عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ جَسَدِهِ، حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِهِ ) صحيح مسلم برقم/601 

 

 

والحقيقة أن هاتين الكلمتين الأخيرتين من دعاء خاتم الأنبياء والمرسلين "وحسن عبادتك" والتي أوصى معاذ بن جبل "رضي الله عنه" أن يدعو بهما دبر كل صلاة تثير الانتباه إلى قضية في العبادة هي من الأهمية والخطورة بمكان , مفادها أن الاشتغال بحسن أداء العبادة كما أرادها الله تعالى أولى وأوجب من الإكثار من العبادة دون إحسان , فالعبرة في دين الله تعالى في كيفية أداء العبادات على وجهها المطلوب لا في الكمية والإكثار دون إتقان وإحسان .

 

 

كثيرة هي الأدلة من كتاب الله تعالى والشواهد من سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم وسيرته العطرة التي يمكن الاستدلال بها على ما سبق , ففي غير موضع من كتاب الله تعالى جاء التأكيد على أن العاقبة الحسنة في امتحان الله تعالى وابتلاءه لعباده في الدنيا هي من نصيب من أحسن العمل لا من أكثر منه دون إحسان , ففي سورة هود قال تعالى : { وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ...} هود/7 , وقد تكرر ذلك في سورة الكهف : { إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا } الكهف/7 , وفي سورة الملك : { الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ } الملك/2

 

 

بل إن وعد الله تعالى أن لا يضيع أجر وثواب أعمال عباده المؤمنين الصالحة اقتصر على من كان منهم قد أحسن تلك الأعمال دون غيرهم فقال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا } الكهف/30 

 

 

وأما السنة النبوية فمليئة بالأحاديث الدالة على أهمية وأولوية إحسان العمل , ولا أدل على ذلك من توجيه الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يدعوا الله تعالى أن يرزقهم حسن العبادة والطاعة , ففي الحديث عن شداد بن أوس قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : ( إذا كنز الناس الذهب والفضة فاكنزوا هؤلاء الكلمات : اللهم اني أسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد وأسألك شكر نعمتك وأسألك حسن عبادتك وأسألك قلبا سليما وأسألك لسانا صادقا وأسألك من خير ما تعلم وأعوذ بك من شر ما تعلم واستغفرك لما تعلم انك أنت علام الغيوب ) مسند الإمام أحمد 17155 حديث حسن بطرقه ورجال الاسناد ثقات 

 

 

وفي حديث آخر عن أبي هريرة رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال لهم : ( أتحبون أيها الناس أن تجتهدوا في الدعاء ) قالوا : نعم يا رسول الله قال : ( قولوا اللهم أعني على ذكرك و شكرك و حسن عبادتك ) مستدرك الحاكم برقم/1838 وصححه الألباني .

وقد ذكر ابن رجب الحنبلي أن السلف الصالح كانوا يوصون بإتقان العمل وتحسينه دون الإكثار منه ، فإن العمل القليل مع التحسين والإتقان، أفضل من الكثير مع الغفلة وعدم الإتقان , مستشهدا بقول بعضهم : إِنَّ الرجلين ليقومان في الصف، وبين صلاتيهما كما بين السماء والأرض.

 

 

كما ذكر قول ابن عباس وغيره : صلاة ركعتين في تفكر، خير من قيام ليلة والقلب ساه ! انظر مَجْمُوع رَسَائِلْ الحَافِظْ ابْنِ رَجَب الحَنْبَلِيّ 1/351 وما بعدها 

 

 

إن تذكير المسلمين وتوعيتهم بضرورة إحسان العمل في هذا الزمان من الأهمية بمكان , فقد انشغل بعضهم بتكثير الأعمال الصالحة والاهتمام بعددها وكمّها على حساب إتقانها وحسنها وكيفية أدائها على الوجه الأمثل , وهو ما يعتبر مخالفة صريحة لما جاء في كتاب الله وسنة رسوله الخاتم صلى الله عليه وسلم وسيرة ومنهج السلف الصالح .

 

 

لقد وقع بعض المسلمين جراء الغفلة عن الاهتمام بحسن أداء العبادات والطاعات في محظور العمل غير المشروع أو المسنون , بينما وقع بعضهم الآخر في محظور الرياء وانتفاء الإخلاص في العمل الذي يعتبر شرطا أساسيا في قبولها ونيل الأجر والثواب عليها .

 

 

ومن هنا يمكن فهم المصير إلى النار الذي آل إليه عالم ومنفق ومجاهد بسبب فقدان ركن الإخلاص في أعمالهم التي تبدو في ظاهرها أنها صالحة , ففي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إنّ اللَّهَ إذَا كانَ يَوْمَ القيَامَةِ يَنزِلُ إلى العِبادِ لِيَقْضِيَ بَيْنَهُمْ وَكُلُّ أُمَّةٍ جَاثيةٌ فأوَّلُ مَنْ يَدْعُو بِهِ رَجُلٌ جَمَعَ القُرْآنَ وَرَجُلٌ قُتِلَ في سَبِيلِ اللَّهِ وَرَجُلٌ كَثِيرُ المالِ فَيَقولُ اللَّهُ لِلْقارِىءِ : ألَمْ أُعَلِّمْكَ ما أَنْزَلْتُ على رَسُولِي ؟ قالَ : بَلَى يا رَبِّ . قالَ : فماذا عَمِلْتَ فِيما عَلِمْتَ ؟ قالَ : كُنْتُ أقُومُ بِهِ آناءَ اللَّيْلِ وآناءَ النَّهارِ . فيَقُولُ اللَّهُ لهُ : كَذَبْتَ وَتَقولُ لهُ المَلائِكَةُ : كَذَبْتَ ويَقُولُ اللَّهُ لهُ : بل أرَدْتَ أنْ يُقالَ فلانٌ قارىءٌ فَقَدْ قِيلَ .....) صحيح ابن خزيمة برقم/116

 

 

 

إن التركيز والاهتمام بحسن أداء العبادات والطاعات هو في الحقيقة تجسيد لأهم شرطين في العمل كي يكون مقبولا وهما : أن يكون العمل مشروعا مطابقا لما أمر به الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، وأن يكون خالصا لوجه الله تعالى بعيدا عن الرياء والسمعة .



3 + 4 =
د. خالد رُوشه
أميمة الجابر
الشيخ أ.د. ناصر بن سليمان العمر