ما بعد مرثية الموصل
24 شوال 1438
أمير سعيد

على كثرة ما تكرر السؤال: "هل تبخرت داعش في الموصل؟!" في كثير من تحليلات الكتاب من أطياف متنوعة صار بلا معنى أو جدوى. فالحقيقة التي خلص إليها هؤلاء في نهاية المشهد لا تعد "اختراعاً" أو "اكتشافاً" مذهلاً؛ ففي زمن صار فيه قرع أجراس التحذير قبل الكوارث بلا تأثير يذكر، فضلاً عن أن يتلو الفواجع تحليلات واستنتاجات يمكنها أن تحدث أثراً أو تترك بصمتها في عالم المستقبل.

 

 

ما خلفته عملية تدمير الموصل وتهجير أهلها هائل جداً، فمعظم أهلها الذين يزيد تعدادهم عن ثلاثة ملايين قد هجروا منها، وتم تدمير نحو 80% من المدينة، وهو مع هذا لم يخرج قيد أنملة عن حدود توقعات سابقة قيلت من خبراء قبل عملية التدمير (أو ما أطلق عليه اسم التحرير)، بل إثر استيلاء داعش عليها، حيث توقعوا سلفاً أن يكون التغيير الديموغرافي وإعادة رسم الخرائط الجديدة بما يضمن ضعفاً مزمناً لدول المنطقة وشعوبها بالأساس، هو الهدف الحقيقي لعملية تكبير فقاعة داعش وما تلاها من صراعات أدت إلى الحالة البائسة التي آلت إليها المنطقة.

 

 

ليست الفائدة الكبرى في أن تقرأ المشهد بعد الكارثة جيداً، أو أن "تبدع" فتتوقعه قبل حصوله! فلقد صارت كثير من الأحداث المؤلمة التي تعيشها أمتنا بغير حاجة إلى "براعة خبير" أو "دقة تحليل"، وأصبح من اليسير على "رجل الشارع" توقع مآلات الأحداث، إنما الفائدة الحقيقية تكمن في إدخال الحاجة الملحة إلى عملية بناء شامل، وتوعية عامة، وتأهيل صحيح حيز التنفيذ. إن المأساة الحقيقية لم تكن في صناعة داعش وفزاعاتها ودعايتها الهوليودية فحسب، ولم تكن في إجرام الحشد الطائفي بكل مكوناته فقط، ولا في تداعي الأمم على قصعتنا المشبعة، وحدها، إنما في المناخ الذي سمح لكل هؤلاء أن يتمددوا وأن يرخوا على المنطقة خيمتهم، في تلك الغثائية التي مهدت الطريق لكل المتآمرين؛ فكل ما تقدم لم يكن لينشب في أمتنا سهامه لو كان الطرف الآخر متماسكاً وقوياً، ففي جانب من ذلك، أفضى عجز القوى المناهضة للطائفية في العراق عن التخلص من أثرتها وحزبيتها وسذاجتها وتشتتها، وإحجامها عن مباشرة مراجعات ومصارحات شفافة لمسيرتها منذ سقوط حكم صدام حسين أو قبلها، ومبادرتها إلى تصحيح مساراتها تلك. كذا، ترك رفض الدول العربية مساندة القوى والعشائر والهيئات السنية أثره البالغ على ميزان القوى العراقية، وأدى إلى وقوع العراق تحت السيطرة الإيرانية الكاملة، وتغيير تركيبته الديموغرافية لإيجاد واقع جديد يتعذر العودة عنه فيما بعد.

 

 

لم يتم بناء مشروع للسنة في العراق، لا إبان الاحتلال الأمريكي المباشر للعراق، ولا الإيراني المستتر نوعاً ما، وسمح الفاعلون بتجريد مناهضي الاحتلالين من قوتهم لصالح القاعدة ثم داعش، فأمكن تحقيق كل مخططات تشييع العراق باسم مكافحة الإرهاب، ولقد نجح الحشد وميليشياته السابقة والحالية في تغيير الواقع، وصمت الجميع.

 

 

واليوم، صار ما حصل في الموصل فاجعة أخرى من مصائب الاحتلال الإيراني للعراق؛ فباسم مكافحة هذا التنظيم الوهمي المختلق، أجبر ثلاثة ملايين سني على مغادرة منازلهم التي هدمت من بعدهم، وغدت عودتهم محل نظر بعد عملية إعمار غير متوقعة على النحو المأمول؛ فاليقين أن المدينة خربت، وأن مخربيها قد استهدفوا تهجير سنتها، ومن اليقين أيضاً أن من يفعل ذلك لن يعيد إليها سكانها مجدداً، ولن يسمح بأن تعود المدينة أكبر معقل للسنة في العراق، وثاني مدنه الكبرى. اليقين أن تعداد العائدين لن يكون كبيراً، والمغتصبون لهذه المدينة لن يتركوا تركيبتها السكانية كما كانت من قبل.

 

 

تلك الحقيقة لم تكن غائبة أبداً عن أولي النهى من السنة، وتحليل الأحداث لم يكن مجافياً لتوقعاتهم، أو قراءتهم لواقعها الجديد، غير أن ما غاب هو المشروع السني اليتيم، هو البناء الغائب الذي لا يتحمس له أحد. لقد رُسم مخطط محكم لتهجير ملايين المسلمين السنة من العراق وسوريا، وتم تنفيذه بإحكام، وبدون ضجيج كبير، حيث لم يرتفع صراخنا لأن القوم كانوا يزعمون أنهم يقاتلون العشرات من أشباح داعش.. ويهجرون – يقيناً - في الطريق الملايين!

 

3 + 1 =
محمد علي يوسف
مؤسسة الموصل
د.مالك الأحمد