لمحة من عبقرية صلاح الدين في مواجهة المد الصليبي الجارف
26 شوال 1438
أ.د. علي بن محمد عودة الغامدي

منذ ان أصبح صلاح الدين نائبا لنور الدين محمود على مصر سنة 564هجرية واجه بعبقرية واقتدار عدوان الصليبيين فهزم سنة 565حملة بحرية صليبية رومية مشتركة هاجمت مصرعن طريق ميناءدمياط. وبعدأن أسقط الدولة العبيدية بأمر نورالدين تعرض لنحو سبع مؤامرات من جانب فلول العبيديين وتغلب عليها كلها. كما اعاد الترابط إلى الجبهة الاسلامية المتحدة التي تصدعت بوفاة نور الدين سنة569هجرية وقضى على أصحاب المصالح الضيقة.

 

وتوج جهوده بسحق الجيش الصليبي في حطين سنة583 هجرية واستطاع خلال ثلاثة أشهر بعد معركة حطين استرداد القدس ومعها أكثرمن 80 مدينة وقلعة وقرية ومايتبعها من مساحات تعادل أكثرمن ضعف مساحة فلسطين التي يحتلها الصهاينة حاليا.

 

وتتجلى عبقرية صلاح الدين الفريدة في مواجهة ردة الفعل الغربية الصليبية الجارفة التي جعلت أوربا كلها تنهض بكل امكاناتها في حرب صلبية هي الحملة الثالثة .وهنا يجب أن ناخذ بعين الإعتبار أن صلاح الدين لم يكن يملك من الموارد والإمكانات إلا نحو عشرة في المئة من موارد وإمكانات عالم الاسلام.فمن العراق وحتى حدود الصين دول اسلامية عديدة لم تساعده بشيء وكذلك سلاجقة آسيا الصغرى الذين كانوا متحالفين مع ملك الألمان فردريك بربروسا . ودولة الموحدين في المغرب والأندلس التي لم تقدم له أية مساعدة.

 

لكن عبقرية صلاح الدين أفشلت إلى حد بعيد حشود الحملة الصليبية الثالثة التي تجمع المصادر والوثائق الأوربية أن عدد من اتخذ شعار الصليب وتعهد بالذهاب لقتال صلاح الدين يزيد عن مليون مقاتل في الوقت الذي لايستطيع صلاح الدين حسب امكاناته حشد أكثرمن  50 ألف مقاتل لمواجهة تلك الحشود المقبلة.

 

وهنا تتجلى عبقريته فخلال استعداداته لمعركة حطين سمع بسقوط أسرة ال كومنين التي حكمت دولة الروم لنحو 100عام وتحالفت مع الصليبيين وشاركت معهم في عدة حملات ضد المسلمين.وقامت في القسطنطينية اسرة جديدة هي أسرة اسحاق انجيلوس فراسله صلاح الدين واستماله الى جانبه وحالفه ضدالغرب الصليبي وأرسل له هدايا بعدمعركة حطين وهي كالتالي حسب المصادر الرومية: (عشرون جوادا من جياد اللاتين التي غنمها المسلمون في حطين.وصناديق كبيرة من العطور والبلسان و300عقدمن الجواهروصندوق من العود و100كيس من المسك و20 ألف بيزنط من العملات البيزنطية وفيل صغير وواحد من غزال المسك وزرافة وخمسة فهود وثلاثين قنطارا من الفلفل والتوابل .وجرة كبيرة من الفضة مليئة بخمر مسموم وكميات كبيرة من الدقيق والحبوب السامة)

 

وجرة الخمر المسموم والدقيق والحبوب السامة. هي مهمة رجال مخابرات صلاح الدين.الذي أنشأ أعظم جهاز مخابرات في التاريخ والذي حقق من الإنجازات مالم يحققه غيره.

 

كان أكبر واقوى جيش متحد نهض من أوربا لقتال صلاح الدين هو جيش ملك الألمان فردريك بربروسا حتى أن ابن الأثير علق عليه بقوله”لو وصل ملك الالمان لأصبحنا نقول أن بلاد الشام ومصر كانت لنا.

 

وقد ذكر المؤرخ الالماني أرنولد لوبيك المعاصر للحملة انه جرى إحصاء للجيش الالماني عندما كان يعبر نهر الساف في المانيا فوجدوا العدد أكثر من خمسين ألف فارس وأكثر من مئة الف راجل. لدرجة أن بربروسا أرسل إلى صلاح الدين رسالة متغطرسة قال فيها أنه لن يقابله في القدس ولا في الشام  وإنما في صوعن في عمق مصر(تذكر الرواية التوراتية أن صوعن هو المكان الذي قابل فيه موسى فرعون)

 

ومر الجيش الالماني ببلاد دولة الروم وكان رجال مخابرات صلاح الدين ضمن التجار الروم الذين زودوا الالمان بالمواد الغذائية والخمور وخلطوها بتلك المواد السامة. ثم عبر الألمان إلى آسيا الصغرى ولماوصلوا إلى قيليقية بدأ السم يؤثر في أجسامهم وغرق ملكهم في أحد الأنهار. وبلغ بهم الضعف والهزال حدا بحيث أصبحوا عاجزين عن الإحتطاب فنزعوا أسنة رماحهم وأشعلوا العصي ليتدفأوا من برد الشتاء ومات منهم عددكبير.ثم عبروا إلى الشام وهم في غاية الضعف والهزال حتى ان الرجل الواحد من حلب يخرج اليهم فيعود ومعه نحو 20 رجل مربوطين في حبل ويبيعهم في أسواق الرقيق. ومات منهم عدد كبير عند اللاذقية وفي انطاكية وأثناء مسرهم قرب نهر العاصي .ولم يصل إلى عكا من ذلك الحبش العرمرم إلا أقل من ثلاثة الاف ومات البقية اثناء حصار عكا.

هذا هو صلاح الدين وهذه لمحة من عبقريته.
 

1 + 0 =
محمد علي يوسف
مؤسسة الموصل
د.مالك الأحمد