14 ذو القعدة 1438

السؤال

انا فتاة في عمر الزهور , اعيش في عائلة متدنية الحال مع أخوين أكبر مني سنا , أمي ضعيفة الشخصية , وأبي هو المسئول عن اتخاذ جميع القرارات.

تعرفت على شاب عن طريق برنامج التواصل وبدأ الأمر صداقة وفقط ، ولكن مع الوقت تطورت مشاعري تجاهه , وتبادل الحب بيننا فرغبت الزواج منه , وعندما تقدم لخطبتي رفض أبي الأمر لاختلاف المستوى الاجتماعي , وأبي قد رفض من قبل خطيبا آخر لنفس السبب , فهو لا يريد خروجي من البيت لأنني مصدر دخل أساسي للعائلة , فقررنا أن نهرب معا إلى احدى مدن المملكة المجاورة , أمي كانت تعلم وتدعمني لأنها تعلم تفكير والدي المنغلق , فما الحل ؟

أجاب عنها:
أميمة الجابر

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد

فإن الله سبحانه قد جعل النجاح والفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة مرتبطا بالامتثال الى شرعه والسير مع منهاجه سبحانه ، وبقدر بعد المرء عن شريعته بقدر ما يشقى ..

لقد قرأت رسالتك ، التي تلحين فيها باللوم على ابيك ، وتنسبين اليه الأخطاء ، وما قد يترتب عليه منك من سلوكيات سلبية ..!

 

ولاأشك أن رسالتك متاثرة بحالتك النفسية والعاطفية ، وارجو أن اسمع راي الطرف الآخر الذي هو ابوك أو حتى راي أخويك تفصيليا ، لكن لما كان هذا غير مقدور ، فسأقبل منك توصيفك لمشكلتك ، لكن لن اقبل منك حلها بالطبع ، فقد وقعت في عدة أخطاء شرعية وسلوكية بل وأخلاقية لابد من تنبيهك لها ولابد من تبصيرك بطريقك وسبيلك فهو النصح لله الذي هو حقك علينا ايتها الابنة ..

 

الابنة السائلة ..

أولا : قد وصى الله تعالى بالوالدين احسانا , فأنا أراك تحسنين إلى والدتك وتصاحبينها , وتتركين والدك , يسول لك الشيطان صورة سيئة له , كأنه يريد استغلالك في مساعدته بالانفاق على البيت , وأنه يفضل مصلحته الذاتية على مصلحتك , فوصفتيه كأنه ضدك لا معك !

 

ولقد مرت بي مئات المشكلات المماثلة وفي غالبها كان راي الاب صائبا .

 

فوجهة نظر والدك في موضوع التكافؤ صحيحة , فهو أكثر منك خبرة , وحديثه صحيح , لأن التكافؤ بين الزوجين من أهم أسس السعادة الزوجية , فالحب والود والتوافق والانسجام هذه الأمور لا تكون عادة دون تكافؤ بين الزوجين , فبها تستمر الحياة بين الزوجين قائمة على أساس متين تبعده عن الكره والنفور , فالتكافؤ بين الزوجين كفيل بإنتاج زواج ناجح قوي متين .

 

ثانيا :  لابد أن أعتب ههنا بشدة على الآباء الذين يستعملون القسوة مع ابنائهم وبناتهم ، ويزرعون البغض والكره في قلوبهم بدلا من الحب .

فنحن قد نلوم الابن العنيد وقد لا نسأل عن سبب عناده , ونلوم عندما نجد منه الخطأ , ونتغاضى السؤال عن سبب خطئه !

 

لماذا لا يبحث الآباء عن طريقة للتواصل مع أبنائهم لتؤلف وتقرب قلوبهم ، وللاسف فرغم أنهم يعلمون أن الضغط يولد الانفجار , فمازال الكثير من الآباء يضغطون !

 

 نعم إن الحزم مع الابناء مطلوب , لكن بجانب الانفتاح في الحوار والاحتواء والمصاحبة لهم .

 

ثالثا : لست في حاجة أن اؤكد عليك ههنا أن طريقتك في التعرف على هذا الشاب طريقة خاطئة لا ترضي ربك ولا يرضاها الشرع الحنيف ، وما تابع ذلك من تطور في علاقتكم – بحسب ما ذكرت – هي أخطاء متراكمة ، لا حل معها سوى التوبة إلى الله سبحانه ، بتركها والندم عليها والعزم على عدم العودة اليها .

 

والشىء الوحيد المقبول في هذه المشكلة هو ايجابيته تجاهك بالتقدم لابيك ودخوله من الباب لخطبتك منه .

 

رابعا : ما ذكرتيه من تفكيركما في الهروب للزواج هو تفكير ساذج خاطىء .

فأما كونه ساذجا لأن الحياة صعبة شاقة والمسئوليات الحياتية متراكمة ، وليس الأمر بالشكل الوردي كما تظنان .

 

وأما كونه سلوك خاطىء فهو معصية لله ربك بمصاحبة شخص اجنبي عنك وتركك لوليك ، ثم عقوقك لابيك ، ثم نيتك للمعصية الأخرى وهي تعمد الزواج بغيرعلم الولي ، ثم المشكلات المتتابعة والمتراكمة التي ستترتب على ذلك ..

 

فهل هذا الشخص الذي تقدم لخطبتك يرضى لأخته أن تهرب كما يرضى لك بهذا ؟

 

بالطبع لا , فمن يحب أحدا يخاف عليه وعلى سمعته وعلى كرامته , ويرفض لأخته أن تفعل فعلتك , فلابد أن تعلمي أن من ستهربين معه بعد الزواج - إن تزوجك فعلا - سيظل يعايرك بهذا السلوك المتدني طوال حياتك .

 

وبرايي أنه بمجرد موافقته على الهروب معك يثبت أن وجهة نظر والدك فيه صحيحة .

 

فإذا كنت في أول حديثي لم يعجبني من الآباء القساة ،  فليس المعنى أن يبرر ذلك لك امر الهروب مع من تتوهمين أنك تحبيه .

 

 فمهما بلغت قسوة أبيك عليك فاعلمي أنه لا احد يحبك أكثر منه , ولابد أن تراعي أنك الصورة الجميلة في وجهه , فأنت عنوانه , ورأسه المرفوعه , فتصرفك هذا إساءة له ولدينك ولنفسك ولكرامتك ولأهلك ولعشيرتك ولن ينفعك أحد .

 

أما والدتك ، فأنا استغرب موقفها كثيرا ، فمهما كان غضبها من ابيك يجب ألا توافقك على هذا الخطأ .

 

فإن كانت تحبك وتخاف عليك فعليها أن تنصحك بالأفضل وهو محاولة اقناع والدك بأن يوافق على هذا الخاطب إذا كنت متمسكة به أو أن تشركا شخصا آخر له تاثير على والدك ليقنعه ويقرب له رؤيتكم .

 

وعليك ان تحذري من الارتباط به او الزواج منه إلا إذا اخذك من بيتك وطلب يدك أمام والدك والناس , فتخرجين من بيت والدك مرفوعة الرأس , وبذلك تحتفظين برضا ربك ورضا والديك وأهلك وبكرامتك في وقت واحد ..

 

ايتها الابنة ، عليك أن تتقي الله سبحانه في سلوكك ليجعل لك الخير في عاقبتك ، قال سبحانه " ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا " ، والجئي إلى الله سبحانه ان يبصرك بالصواب ، وتوبي اليه وتبتلي واسجدي واقتربي ..

محمد بن عثيمين رحمه الله
عبد الرحمن البراك
عبدالعزيز بن عبد الله آل الشيخ