5 صفر 1439

السؤال

كنت أعيش في أسرة بها مشاحنات مستمرة، وليس فيها أي عاطفة، والانتقاد فيها أمر عادي، كل هذه الأمور جعلت مني إنسانة عصبية، ورغم ذلك أردت أن أتفوق في دراستي، وكانوا يطلبون مني بعض الأعمال المنزلية، كنت أصرخ وأصاب بحالة من الذعر لأنهم لا يقدرون الاهتمام بالدراسة، فكان صراخي وعصبيتي يعرضونني للضرب والشتم والإهانة، حتي أيديهم وصلت إلى كتبي ودفاتري يمزقونها ومع كل ذلك استطعت التفوق ودخلت أعلى كلية لكن معاملة أهلي القاسية ظلت مستمرة، فأصبت بالوسواس القهري، واستمر بالتزايد وأصبح لدي خوف شديد وارتجاف في جسدي وانعدم التركيز، فكرهت الحياة، وتراجع مستواي العلمي، وأصبحت أحب فكرة الانتحار، نومي أصبح قليلاً وأنام نوماً غير هادئ، أريد حلاً مع العلم أنني على هذه الحالة منذ 7 سنوات.

أجاب عنها:
أميمة الجابر

الجواب

السائلة الكريمة:

إذا كان واقعاً ما تحدثت عنه وشكوت منه، فلك العذر في الشكوى، وبذلك لا نستطيع أن ننكر أن ما تشعرين به كان نتيجة قسوة وجفاء، أو نتيجة تفرقة في المعاملة بينك وبين إخوتك.

 

وللأسف يا ابنتي فقد غاب الدفء الأسرى وارتحل من كثير من بيوتنا، قد يكون غيابه بسبب صعوبة الحياة، أو عدم إحساس كل فرد بالآخر، أو أن الكل أصبح يفكر في نفسه وينسى حق غيره..

 

والحق أن الأصل في ذلك كله هو ضعف الإيمان، الذي ينسى الحقوق ويزخرف الحياة ويسيء الأخلاق، فترى القسوة والجفوة.

فلستِ أنتِ وحدك تشعرين بهذه الأحزان والهموم، بل الكثيرات ممن في سنك يتعرضن لشكواك.

 

لكن علي الجانب الآخر ربما تكون همومك وأحزانك نتجت من طبيعتك الشخصية، أو سوء فهمك، أو سوء ظنك بالمحيطين بك، أو من تشنج معاملتك مع من تعيشين، أو من الطريقة الحادة التي كنت تتعاملين بها، أو من صرخاتك في وجوههم، وعلو صوتك، وعدم طاعتكم لهم، فكيف يتعايش الإنسان مع مجتمعه وهو بهكذا حال؟!.. وعندئذ هل تنتظرين أن تقطفي الورد وأنت تزرعين الشوك؟

 

ودعيني أسألك: هل مرة قدمت كلمة شكر لأحد فيهم قدم إليك طعاماً أو شراباً؟

هل فكرت أن تشترى لأحدهم هدية ولو رمزيه تكون عنواناً للتواصل بعد الجفاء أو للقرب بَعد البُعد؟

هل سعيتِ لإذابة الجليد المتراكم بينكم بطرق أو بأخرى؟

 

ابنتي السائلة:

من حديثك فهمنا أنك تتصفين بالإرادة القوية، لقد تحديت كل الصعاب، ووقفت أمام الرياح العاتية للوصول إلى هذا النجاح والتفوق.

 

فهذه الإرادة لن تعود إلا إذا تواصلت مع الله تعالى، وقويت قلبك بالإيمان به، والثقة فيه، والتوكل عليه، والاستعانة به في كل شأنك.

 

وعندئذ لن يأتي الضيق والهم للإنسان، فهما لا يأتيان إلا عندما يبعد عن الله عز وجل، كمن يهمل الصلاة فهي تنهى عن الفحشاء والمنكر، أو ينسى ذكر الله تعالى {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}، أو يهجر القرآن الذي هو شفاء للصدور وهكذا..

 

فالبعد عن كل هذه الغنائم يصيب الإنسان بضيق ووحشة مهما امتلك من المال والنجاح فتراه دائما يشعر بالضيق والوحشة والألم.

 

أما العصبية التي تتصفين بها فحاولي الابتعاد عن الأسباب المؤدية لها، عن طريق الإصلاح بينك وبين أهل بيتك بحسن الخلق والحلم والصبر.

 

مع محاولة التحاور مع الآخرين بهدوء ولا داعي للتشنج أثناء الحوار، ولابد التأدب بآداب الحوار (خفض الصوت مع من تتحاورين معه -عدم مقاطعته – عدم التعصب لرأيك –عدم التلفظ بالألفاظ التي تثير من تحدثينه).

 

أيضاً لابد أن تصبر كل فتاة وكل شاب على والديهما مهما كانت قسوتهما فثمرة وبركة البر مفتاح لكل نجاح.

 

ولا بد عليك من التركيز للعودة إلى دراستك وإعادة الإرادة القوية التي تتصفين بها من جديد بالدعاء فهو سبحانه قريب مجيب الدعاء سميع لنا رحيم بنا.

 

كذلك عدم التفكير في الماضي الذي تعرضت له حتى لا يتمكن منك الشيطان ويعكر صفو حياتك.

 

فإذا كانت الحياة – كما تقولين - تتلون أمامك باللون الأسود فليست الأيام كلها تتلون بهذا اللون، نعم أحيانا يأتي لون قاتم، معتم، عسير، لكن سرعان ما يلحق به يوم أبيض جعله الله تعالى بشرى لكل حزين مهموم حيث قال في كتابه الكريم: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا}.

 

فعندما تتعسر الأمور في يوم سرعان ما يداويها اليسر، وهذا من نعمة الله تعالى على عباده.

 

أما فكرة الانتحار، تلك الفكرة الشيطانية الحمقاء، فهي الخسران بعينه، خسران الدنيا والآخرة..

فالانتحار من كبائر الذنوب، وقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أن المنتحر يعاقب بمثل ما قتل نفسه به، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَن تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيه خالداً مخلداً فيها أبداً، ومَن تحسَّى سمّاً فقتل نفسه فسمُّه في يده يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومَن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها في بطنه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً" متفق عليه.

وعن ثابت بن الضحاك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مَن قتل نفسه بشيء في الدنيا عذب به يوم القيامة" متفق عليه.

 

فلابد أن نستعيذ بالله منه عندما تأتينا هذه الأفكار السيئة، ونكثر من التوبة والاستغفار لله تعالى فهي مفتاح كل كرب وفرج لكل مهموم.

 

حاولي الأخذ بكلماتي يا ابنتي، فإن سهل عليك ووجدت نجاحاً فالحمد لله، وإن وجدت صعوبة فلا تترددي للذهاب لطبيب نفسي معالج ليتابع حالتك، وفقك الله لكل خير.



عبدالعزيز بن عبد الله آل الشيخ
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
د. صالح بن فوزان الفوزان
صالح بن علي بن غصون رحمه الله