عهد بورقيبه يعود من جديد
22 ذو القعدة 1438
د. زياد الشامي

اشتهر عهد بورقيبه - الذي عمل المحتل الفرنسي على جعله أول رئيس لتونس لتنفيذ أجندتها بعد أن اضطر لمنح الاستقلال لإحدى مستعمراته عام 1956م – بأنه عهد الحرب المعلنة الشرسة ضد الإسلام ومحاولة طمس الهوية الإسلامية لتونس تحت شعار علمنتها أو بالأصح تغريبها وفرنستها وسلخها عن جذورها الإسلامية .

 

 

لا يمكن إحصاء عدد المرات التي تطاول فيها بورقيبه على دين الله الخاتم وهوية تونس الإسلامية خلال فترة تسلطه على رقاب التونسيين التي امتدت لثلاثة عقود كاملة ( 1957 – 1987م ) فهي من الكثرة كمّا ومن الوقاحة والجرأة على هوية مجتمع بأسره وشعب بأكمله كيفا ... ما لا يمكن لمقال أن يحصيه .

 

 

قام بورقيبه بإغلاق جامع الزيتونة الذي كان منارة إسلامية وحضارية للعالم الإسلامي أجمع منذ تأسيسه عام 79 هجرية , ودعا إلى ترك الحجاب الذي كان معروفا لأهل تونس "السفساري" – وهو غطاء تلتحف به المرأة عند الخروج ويغطي رأسها حتى كعبيها – وروّج لسفور المرأة التونسية باسم "تحريرها" بعد أن نزع "السفساري" من على رأس امرأة وسط تغطية إعلامية تزين الباطل وتقدح بالحق وتقبحه .

 

 

لم يقف بورقيبه في حربه على الهوية الإسلامية لتونس عند هذا الحد , بل أصدر قانونا جديدا للأحوال الشخصية من شأنه أن يقطع علاقة الأسرة بالإسلام , كما قام بإغلاق كتاتيب ودور تحفيظ القرآن , ومنع تعدد الزوجات في مقابل السماح بتعدد الخليلات , ناهيك عن إصداره قانونا يمنع استخدام التأريخ الهجري عام 1961م , وتأميم أكثر من 200 مسجد ومن ثمّ بيعها وتحويلها إلى مساكن بل في بعض الحالات إلى مراقص وخمارات ومتاحف للرومان .

 

 

كانت أكثر ممارسات بورقيبه تطاولا على دين الله الإسلام منعه الصيام في رمضان عام 1962م وتجرأه بالظهور علنا على شاشة التفلزيون الحكومي في نهار شهر الصيام وهو يشرب الماء , وتنظيمه لحملات لإجبار الموظفين والعمال وقوات الجيش وكافة فئات الشعب على الإفطار في رمضان .

 

 

بل وصل تطاول بورقيبه حتى طال كلام الله تعالى القرآن وسنة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم , حيث تجرأ في ندوة أقيمت في القصر الرئاسي عام 1974م بإعلانه بأنه لا يؤمن بالمعجزات قائلا : "القرآن الذي تعلمونه للشباب مليء بالخرافات , أسمعتم أن شخصا ينام 300 عام ...."

 

 

لم يكن عهد خليفة بورقيبه ووزير داخليته الذي انقلب عليه وتسلط على حكم تونس من بعده "زين الدين بن علي" بأفضل حالا من حيث محاولة طمس الهوية الإسلامية لتونس وشن حملة شعواء على كل ما له علاقة بتدين التونسيين وانتمائهم لدينهم وتاريخهم وحضارتهم الإسلامية العريقة , بل كان امتدادا لعهد بورقيبه ونسخة مطورة عنه .

 

 

حاليا وبعد سنوات من اندلاع الثورة التونسية التي انطلقت شرارتها أواخر عام 2010م و أدت إلى هروب "بن علي" واستبشار التونسيين بإمكانية استعادة تونس لهويتها الإسلامية في شتى ميادين الحياة ....لا يبدو أن الرياح تسير كما كان التونسيون يشتهون ويرغبون , بل تلوح في الأفق بوادر وأمارات عودة عهد بورقيبه التغريبية اللادينية "العلمانية" من جديد .

 

 

ففي خطاب ألقاه الرئيس التونسي "الباجي قايد السبسي" اليوم بقصر الرئاسة بقرطاج بمناسبة الاحتفال بما يسمى "عيد المرأة" الذي يوافق 13 أغسطس/آب من كل عام، بحضور أعضاء الحكومة والبرلمان وممثلين عن أحزاب ومنظمات تونسية قال : إن بلاده ستمضي في إقرار "المساواة الكاملة" بين المرأة والرجل بما في ذلك المساواة في الإرث.

 

 

وأوضح السبسي أن "الدولة ملزمة بتحقيق المساواة الكاملة بين المرأة والرجل، وضمان تكافؤ الفرص بينهما في تحمل جميع المسؤوليات، وفق ما نصّ عليه البند 46 من الدستور" , مضيفا أنه : "يمكن المضي في المساواة في الإرث بين المرأة والرجل وهذا رأيي".

 

 

وتابع السبسي: "اليوم كلّفت لجنة تضم رجال ونساء قانون لدراسة هذه المسألة". مستطردا : "لدي ثقة في ذكاء رجال القانون، وسنجد صيغ قانونية لتجنب الاصطدام بمشاعر التونسيين". زاعما أنه : "لن نمضي في "إصلاحات" قد تصدم مشاعر الشعب الذي في أغلبه مسلم ، لكننا نتجه نحو المساواة في جميع الميادين". قائلا : "مقتنعون أن العقل القانوني التونسي سيجد الصيغ الملائمة التي لا تتعارض مع الدين ومقاصده، ولا مع الدستور ومبادئه في اتجاه المساواة الكاملة".

 

 

وقبل التعليق على كلام الرئيس التونسي لا بد من التنويه أولا بأن الحملات الإعلامية الشرسة ضد دين الله وشرائعه وأحكامه هي التي أوهمت العالم أن الإسلام يظلم المرأة في الميراث ويعطيها نصف ما يعطي الرجل عموما , في الوقت الذي تؤكد فيه حيثيات وتفاصيل علم المواريث في دين الله الإسلام أن المرأة ترث مثل الرجل أو أكثر من الرجل أو ترث ولا يرث الرجل في أكثر من 30 حالة من حالات الميراث .

 

 

وكمثال عن تلك الحالات نجد أن البنت إن كانت وحيدة لأبويها ترث من أمها المتوفاة أكثر من والدها الذكر , إذ يعطيها دين الله النصف في الوقت الذي لا يرث الزوج من زوجته مع وجود البنت " الفرع الوارث" إلا الربع .

 

 

وبالعودة إلى خطاب الرئيس التونسي يمكن ملاحظة استخدامه العبارات والشعارات التغريبية للنيل من هوية الشعب التونسي الإسلامية , فقد استخدم مصطلح "المساواة" المزعوم لتمرير قانون يتعلق بالأحوال الشخصية للأغلبية المسلمة بتونس بما يخالف أحكام شريعتهم الغراء جزئية كانت تلك المخالفة أو كلية .

 

 

كما أطلق لفظ "إصلاحات" على ما يسعى لتمريره من قوانين تصطدم مع الهوية الإسلامية للشعب التونسي في محاولة منه لتلميع تلك القوانين وتسويقها .

 

 

لا يمكن لمتابع أن ينكر اليوم حجم وشراسة ودموية الحرب المعلنة ضد محاولة دول ثورات ما يسمى "الربيع العربي" استعادة هويتها الإسلامية , ومن هنا يمكن فهم العمل على إخضاع تلك الثورات ومحاولة تكريس أنظمة حكم تسير فيها بعيدا عن هويتها الإسلامية , ولم يجد أعداء تلك الهوية أفضل من عهد بورقيبه لإعادة تونس إليه .

 

 



عهد بورقيبه يعود من جديد .. أو الفرانكفونية في أبشع صورها.. لافرق .. الشعب التونسي الخاسر الأكبر..!!.
9 + 11 =