في ذكرى مجزرة الكيماوي بالغوطة
30 ذو القعدة 1438
د. زياد الشامي

لم تكن المجزرة الكيماوية الوحيدة أو الأخيرة التي يقترفها النظام النصيري ضد الأبرياء من الشعب السوري لكنها كانت الأبشع والأفظع والأكثر حصدا لأرواح الأطفال والنساء والرجال في ساعة واحدة وهم نيام .

 

 

سنوات أربع مرت على المجزرة الرهيبة التي اقترفها هولاكو العصر ضد المدنيين من أهل الغوطة الشرقية بريف دمشق في الــ21 من أغسطس عام 2013م , حيث قامت قوات الطاغية بقصف المنطقة بالسلاح الكيماوي المحرم دوليا ما أدى إلى استشهاد أكثر من 1400 سوري أغلبهم من النساء والأطفال... دون أن يكون هناك حتى مجرد كلام عن محاسبة المجرم المسؤول عن أبشع هجوم كيماوي في القرن الحادي والعشرين .

 

 

ذكرى الحادثة الرهيبة التي اعتبرها الكثير من المتابعين خطرا على البشرية جمعاء مرت هزيلة ضعيفة باهتة دون تفاعل أو مشاركة ترقى لفداحة وبشاعة الجريمة المرتكبة , وكأن هناك توجه دولي لا يريد لذاكرة العالم استرجاع صور مئات الأطفال الذين خنقهم طاغية الشام في مسرح الجريمة بالغوطة وهم نيام !!

 

 

اقتصرت الفعاليات على اجتماع بعض النشطاء السوريين والبريطانيين في لندن رافعين بعض الصور واللافتات الصفراء لمطالبة الحكومة البريطانية والمجتمع الدولي بمحاسبة الطاغية على جرائم الحرب التي لا زال مستمراً في ارتكابها.

 

 

فعالية أخرى كان مسرحها اسطنبول التركية حيث نظم ناشطون سوريون أول أمس الأحد وقفة احتجاجية للتذكير بمرور 4 أعوام على مجزرة الكيماوي التي ارتكبها النظام النصيري بحق المدنيين في الغوطة الشرقية في الــ 21 من آب عام 2013 م .

 

 

المشاركون في الوقفة الاحتجاجية أعربوا عن خيبة أملهم جراء صمت المجتمع الدولي، وأكدوا أن هذه الجريمة لن تنسى وستذكرها الأجيال جيلاً بعد جيل، ولا بد لمرتكبي هذه الجريمة أن يمثلوا أمام العدالة لأن الحق لا يموت .

 

 

لا أظن أن كلمة "خيبة الأمل من صمت المجتمع الدولي" كفيلة بالتعبير عن المستوى المنحط الذي وصل إليه تعامل الدول التي تسمي نفسها كبرى مع جريمة ومجزرة بهذا الحجم وهذه الفظاعة , فهناك صدمة من ردود الفعل التي اقتصرت على التنديد والتصريحات العنترية فحسب , ناهيك عن الصدمة الأشد ليس من مجرد ترك المجرم دون محاسبة وعقاب , بل ومنحه الضوء الأخضر لقتل المدنيين السوريين بمختلف الأسلحة التقليدية منها والسامة الكيماوية المحظورة حتى الآن .

 

 

لا يمكن لذاكرة الثورة السورية المباركة أن تنسى الطريقة التي تعاملت بها الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية مع المجزرة الكيماوية بالغوطة الشرقية , فبدلا من ردع النظام النصيري المجرم على جريمته المروعة راحت تستخدم دماء السوريين وأرواح الأطفال الأبرياء كورقة مساومة مع ملالي قم للتوصل لما يسمى الاتفاق النووي .

 

 

وفي الوقت الذي كان العالم فيه ينتظر الرد الأمريكي الأوبامي الموعود على تجاوز النظام النصيري لخطوطه الحمراء بعد خطابه المشهور بعيد المجزرة الكيماوية بـ10 أيام حيث قال : "قبل عشرة أيام، شهد العالم برعب كيف قُتل الرجال والنساء والأطفال في سوريا في أسوأ هجوم بالأسلحة الكيميائية سجله القرن الحادي والعشرون" .....كانت أمريكا مشغولة بإنجاز ما يسمى الاتفاق النووي مع إيران مستخدمة أرواح السوريين في مجزرة الغوطة كورقة للمساومة والتفاوض لا أكثر , ولتنتهي بعد ذلك مسرحية التهديد والوعيد الأمريكي للنظام النصيري على جريمته الكيماوية بمنحة ضوءا أخضر لارتكاب جميع أنواع الجرائم والمجازر بمختلف الأسلحة .

 

 

كثيرة هي التقارير التي كشفت عن كواليس تلك الفترة وما بعدها حتى إنجاز الاتفاق النووي , منها ما ذكرته صحيفة "فورين بوليسي" في عددها الصادر في 19 أيار 2017 م حيث نقلت الصحيفة عن مصادر بالخارجية الأمريكية أن كبار موظفي الوزارة منعت بعثتها إلى الأمم المتحدة في خريف 2014 من صياغة خطة لتوجيه إصبع الاتهام لنظام الأسد بخصوص هجمات الكلور وذلك حرصاً على إتمام الاتفاق النووي مع إيران وما سمته "اتجاه روسيا للسلام".

 

 

والآن وبعد 4 أعوام من مجزرة كيماوي الغوطة التي تلتها الكثير من المجازر المماثلة كان آخرها هجمات بالغاز السام على الثوار بحي جوبر الدمشقي وأشهرها مجزرة خان شيخون بغاز السارين السام في الــ4 من نيسان من هذا العام 2017م , حيث تم توثيق استشهاد أكثر من 85 شخصا بينهم أطفال ونساء .....لم يعد وصف ردود الأفعال الدولية - وفي مقدمتها الأمريكية والغربية – على مجازر النظام النصيري الكيماوية بالصمت أو التخاذل أو..... كافيا , فقد وصل الأمر إلى حدود أبعد من ذلك بكثير .

 

 

يكفي لإدراك حجم التواطؤ الدولي مع الطاغية رغم كل جرائمه ومجازره أن الأخير خرج يخطب بكل وقاحة في نفس اليوم الذي ارتكب فيه جريمته الكيماوية في الغوطة الشرقية في إشارة واضحة إلى أن الدول التي من المفترض أن تعاقبه وتحاسبه هي نفسها من تحميه وتحاول إعادة تأهيل نظامه النصيري الذي لم تجد مثيلا أو شبيها له في العمالة .   

 

 

9 + 7 =