الإرهاب ألوان: يحاربون واحداً ويفاوضون آخر!
4 ذو الحجه 1438
منذر الأسعد

أمريكا تزيد الآن أعداد قواتها في أفغانستان لجلب طالبان إلى مائدة التفاوض وليس لسحق الحركة المصنفة منظمة إرهابية!

فهل تصح مفاوضة الإرهابيين؟

هذا سؤال أخلاقي لا سبيل إلى طرحه، وسياسة القوم –باعترافهم- لا تعترف بالأخلاق.. ولو مضينا في المناقشة الأخلاقية فإن الأسئلة تزداد صعوبة: على أي أساس يمكن التمييز بين إرهاب يجوز التفاوض معه، وإرهاب لا يمكن مفاوضته؟ ما تعريف الإرهاب أصلاً لكي تنضبط المصطلحات ولا ندخل لعبة الانتقائية النفعية والمكاييل المزدوجة؟ أليس إرهاب سفاح الشام أسوأ من مجموع المنظمات الإرهابية من حيث أعداد ضحاياه من المدنيين؟ فكيف يعاد تأهيله بعد كل جرائمه؟

 

ضرورات فوق الأرض
أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أنه سيرسل مزيداً من جنوده إلى بلاد الأفغان – تحدثت التسريبات عن 4 آلاف جندي دفعةً أولى- .. وتولى وزير خارجيته ريك تلرسون تحديد الهدف الأكبر لهذا التغيير: إرغام طالبان على الجلوس إلى مائدة مفاوضات من دون شروط مسبقة!

وعلى الفور،بادر أمريكيون كثر –ساسة وإعلاميون- إلى تذكير مواطنيهم، بشعارات ترمب بهذا الشأن في حملته الانتخابية، حيث كان يلح على سحب القوات الأمريكية من هناك لأن أمريكا أولاً !

لا ريب في أن صانع القرار الأمريكي يستشعر حرجاً شديداً من القبول بحركة تصنفها الأمم المتحدة إرهابية مفاوضاً على مستقبل أفغانستان. بل إن المثير للسخرية أن واشنطن تعلن حرصها على مفاوضة طالبان، بينما ترفض الأخيرة إلا بعد مغادرة القوات الأجنبية أفغانستان!

مكره ترمب لا بطل .. فبعد عجز الناتو وقوات 19 دولة من أقوى جيوش العالم، عن استئصال طالبان على مدى 16 سنة ،ليس أمامه خيار آخر. تلك هي الواقعية التي تنطلق من الحقائق على الأرض .

هذا الشعور بالحرج دفع الرئيس الأمريكي إلى البحث عن كبش فداء، لتحميله وزر الفشل الأمريكي، ووجده في باكستان التي فاجأها بتوجيه اتهام جزافي لها، بأنها توفر ملاذاً آمناً لمقاتلي طالبان!

غضبت إسلام أباد، لأنها منخرطة في مطاردة طالبان بشدة منذ سنوات طويلة، وهي تتحمل ثمناً اجتماعياً ثقيلاً في المناطق الحدودية حيث تعيش أغلبية بشتونية على الجانبين: الباكستاني والأفغاني!

عوامل الفشل
ما الذي أتاح لطالبان فرصة النجاة من الاجتثاث الجاد، والذي تشترك فيها دول شتى فضلاً عن قسم من الأفغان، ومحيط إقليمي مناوئ ( كانت باكستان فقط تؤيدها في البداية ثم اضطرت إلى مناوأتها)؟

ولا سيما أن تركيبة المجتمع الأفغاني ومعاناته من الفقر والجهل، يفترض أن تضعف من قبضة الحركة وتعمل ضد تمددها.. فالأمية في أفغانستان متفشية إلى حد مخيف ( بحسب موقع  “topteny” تبلغ نسبة الأمية في أفغانستان 63،5 % من السكان وهي من بين أسوأ 10 دول في هذا المؤشر الحيوي.......  ويلعب ضعف الوعي السياسي دوراً إضافياً لمصلحة الغزو الغربي، إذ يمكنه استقطاب فئات تطمح إلى تحسين أوضاعها الذاتية، بصرف النظر عن الثمن الوطني المدفوع..

هنالك جملة عوامل أسهمت في رأيي ببقاء طالبان حتى اليوم،أهمها بحسب اجتهادي:
# طالبان منسجمة مع حاضنتها الشعبية فهي لا تقتل بالظنون ولا تكفر الناس جزافاً.
# لا تقتل أفغانياً إلا إذا كان فعلاً في خدمة الاحتلال ( بما في ذلك الجيش والشرطة اللذين أنشأهما الناتو بعد سقوط كابول 2001 ) .

# تنتهج أسلوب حرب العصابات وشعارها: اضرب واهرب؛ فلم تقع في خطيئة الثورة السورية لدى سائر فصائلها من خلال ما تسميه الأخيرة : "تحرير" المدن فتجلب عليها الكوارث من عدو متوحش لا يبالي بقصف المدنيين العزل بالبراميل المتفجرة والكيماوي ...

ولولا انسجام طالبان مع محيطها الاجتماعي لانتهت سريعاً، فلا يمكن المضيّ في حرب العصابات  من دون قناعة شعبية واسعة بها، تؤازرها بالإمدادات وعناصر التمويه والمعلومات الاستخبارية عن العدو...

# لا تقتل مدنيين عمداً وإنما عَرَضاً  وفي نطاق ضيِّق ..
# تجتنب قتل المدنيين من غير المسلمين إذا عثرت عليهم في مناطقها ( قبيل إطاحة أمريكا حكم طالبان وقعت الصحفية البريطانية إيفون ريدلي في الأسر لديهم وبعد إطلاق سراحها درست الإسلام واعتنقته بتأثير معاملتهم الحسنة لها).

مقال جيد وقراءة جيدة للواقع فتح الله لك د منذر
8 + 6 =