تغريب المرأة المسلمة في ديار الإسلام
25 ذو الحجه 1438
د. زياد الشامي

أن تكون هناك دعوات لحظر ارتداء المرأة المسلمة النقاب - أو حتى الحجاب - في الاماكن العامة في دول غربية لا تدين بدين الله الخاتم و أن يتم تداول هذا الأمر في أروقة برلمانات تلك الدول ومؤسساتها التشريعية .... قد يكون أمرا متوقعا وغير مفاجئ - رغم مخالفة تلك الدعوات الصريح والفاضح لشعارات الغرب المزعومة التي رفعها منذ عقود وعلى رأسها شعار "حرية الدين والمعتقد واللباس ...." – فالعداء لدين الله الحق والخوف والتوجس من سرعة انتشاره في عقر ديارهم يبيح لهم - حسب نظرتهم وثقافتهم النفعية - التضحية بشعاراتهم المزعومة وممارسة العنصرية بأبشع صورها ضد المسلمين .

 

 

أما أن تتعالى أصوات تنادي بتغريب المرأة المسلمة في عقر ديار الإسلام وأن يتم تبني بعض القوانين المخالفة لصريح نص كتاب الله وسنة رسوله الخاتم صلى الله عليه وسلم باسم "مساواة المرأة بالرجل" في دول يدين غالبية مواطنيها – إن لم يكن كلهم – بالإسلام وتنص بعض دساتيرها على أن دين الدولة هو الإسلام.... فهو أمر جد خطير على الهوية الإسلامية في تلك المجتمعات والدول بالدرجة الأولى .

 

 

ضمن هذا الإطار يمكن استعراض قرار السلطات التونسية الأخير بإلغاء حظر زواج التونسيات المسلمات من غير المسلمين حيث نقلت وكالة رويترز عن "مسؤول حكومي تونسي كبير" قوله : إن وزارة العدل ألغت المنشور الذي كان يقضي بعدم السماح للتونسيات بالزواج من غير المسلمين "مما يعني الحرية التامة للمرأة التونسية في اختيار قرينها".

 

 

كما أعلنت الناطقة الرسمية باسم رئاسة الجمهورية في تدوينة على صفحتها على الفيس بوك أنه : "تم الغاء كل النصوص المتعلقة بمنع زواج التونسية بأجنبي يعني بعبارة أوضح منشور 1973 و ما جاوره. مبروك لنساء تونس في تكريس حق حرية اختيار القرين" حسب وصفها .

 

 

إلغاء الحظر تمّ بموافقة رئيس الحكومة "يوسف الشاهد" حسبما قال وزير العدل غازي الجريبي , وأوردت مواقع محلية تونسية إرسال مذكرة تؤكد إلغاء الحظر "المنشور" السابق إلى جميع محاكم البلاد ومكاتب الزواج والقنصليات .

 

 

الخطوة جاءت بعد شهر من خطاب الرئيس التونسي "السبسي" بمناسبة ما يسمى "العيد الوطني للمرأة التونسية" في 13 آب/أغسطس دعا فيه إلى إجراء مراجعات قانونية تمنح المرأة مزيدا من الحقوق - حسب وصفه – وفي مقدمتها دعوته للمساواة في الميراث بين الرجل والمرأة إلى جانب السماح للتونسيات المسلمات بالزواج بغير المسلمين .

 

 

لا شك أن حكم زواج المسلمة بغير المسلم في دين الله الإسلام هو التحريم بنصوص صريحة في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم , ويكفي في هذا المقام التذكير بقوله تعالى : { وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } البقرة/221 .

 

 

قال الطبري في تأويل الآية : إن الله قد حرم على المؤمنات أن ينكحن مشركاً كائناً من كان المشرك من أي أصناف الشرك كان ، فلا تنكحوهن أيها المؤمنون منهم فإن ذلك حرام عليكم ، ولَأَنْ تُزَوّجُوهنّ من  عبد مؤمن مصدق بالله وبرسوله وبما جاء به من عند الله خير لكم من أن تُزَوّجُوهنّ من حر مشرك ولو شرف نسبه وكرم أصله وإن أعجبكم حسبه ونسبه .. وقد وردعن قتادة والزهري في قوله تعالى : ( ولا تنكحوا المشركين ) قال : لا يحل لك أن تنكح يهودياً أو نصرانياً ولا مشركاً من غير أهل دينك . تفسير الطبري 2/379

 

 

وقد أجمع علماء الأمة على تحريم زواج المسلمة من غير المسلم مهما كانت ديانته وذلك لقوله تعالى أيضا : { فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ } الممتحنة/10 قال ابن قدامة في المغني في شرح قول الخرقي : ولا يزوج كافر مسلمة بحال... قال : أما الكافر فلا ولاية له على مسلمة بحال بإجماع أهل العلم منهم : مالك والشافعي وأبو عبيد وأصحاب الرأي . وقال ابن المنذر : أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم .

 

 

وكما أثارت دعوة الرئيس التونسي "السبسي" إلى مساواة ميراث المرأة بالرجل المخالف لنصوص الشريعة الإسلامية استياء واستهجان الكثير من الأوساط الإسلامية عموما أثار القرار بالسماح للتونسيات المسلمات الزواج من غير المسلمين موجة استياء عربية وإسلامية أيضا , وكيف لا و أمثال تلك الدعوات والقرارات تخالف بشكل فج وفظ ثوابت دين غالبية مواطني تلك الدول .

 

 

الغريب في الموضوع أن الأصل أن تعمل الدولة على إقرار القوانين التي من شأنها توثيق تمسك المواطنين بهويتهم و تعزيز اللحمة الاجتماعية ..... و عدم تبني أي قرار أو قانون يمكن أن يهدد هوية المجتمع وتماسكه ......لا أن تسن من القوانين ما يخالف بشكل صريح معتقد وثقافة أبناء المجتمع وأن تصدر من القرارات ما يمكن أن يهدد أهم مقومات تماسكه وتعاضده .

 

 

2 + 7 =