منارات .. (4) ألا سجرت بها التنور؟!
26 ذو الحجه 1438
فهد السيف

تقدمة :

أخي الشاب: ها أنت تقطع طريق الحياة ماضيًا نحو هدفك في الحياة، ها أنت تقطع طريقًا قطعه قبلك فئام من البشر، وأعداد لا تحصى، لو سألت بعضاً من هؤلاء البشر الذين سبقوك سيصف لك الطريق حسب ما رأى، وسيعطيك نصائحه لتتلافى أشواكه وعقباته، وتتخذ المسالك السهلة، وتنحو نحو الهدف بأسرع وقت.

 

 

فإذ لم تكن بِدعًا من الناس، ولست وحدك من يقطع هذه المسافة، فقد كان لزامًا عليك، أن تسأل من سبقك، وتقرأ تجاربهم في سلوك الطريق، وتعرف كيف تقطعه، وإلا فسيكون طريقك مليئًا بالمحاولات التي كان بمقدورك أن تتلافاها لو اطلعت على خبرات السابقين.

 

 

ههنا، لا أزعم أني أعطيك عصارة خبرة، لكني أزعم أنك ستقرأ فيها دلائل خفيفة الوزن تجد فيها بعض ما يعينك وأنت تقطع الطريق.

 

 

كم قَرَأْنا! وكم نُصِحْنا! لكنا لم ندرك حقيقة وعمق تلك الخبرات إلا حينما عصفت بنا الرياح ونحن نقطع الطريق، فلا تُعِد التجربة، واختصر المشوار، واكتشف تجارب جديدة، تكن رقمًا مهمًا في هذا العالم المليء بالناس العاديين.

 

زاوية:

منارات، رأيت أن أضعها في طريقك، لتنير لك الدرب، وتجنبك أخطار الطريق، أزعم فيها أني أختصر عليك المشوار، فقد قطعته قبلك، ولم أشأ أن تقع في حفرياته، أو تنعطف يميناً أو شمالاً حيث يمكنك سلوك الطريق المستقيم.

 

منارة (4)

( ألا سجرت بها التنور؟!)

 

ربما لم يخطر حتى ببال النبي صلى الله عليه وسلم أن يراسل ملكُ الغساسنة أحدَ الذين هجرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته، فلم يكلمهم أحد أربعين يوماً، بل خمسين، وبقوا كالتائهين في بلد جفاهم، وكان أيّ عرض يقدم لأحدهم للخروج من هذا المأزق الكبير كافياً لأن يجعله يرتد عن دين الله، لولا ما كان في قلوبهم من الإيمان العميق الراسخ، فما إن وصلت الرسالة التي قال فيها ملك الغساسنة  لكعب بن مالك أحد الذين خلفوا عن غزوة تبوك (إنه بلغنا أن صاحبك قد جفاك، فالحقْ بنا نواسِك) حتى رأى في بقائها فتنة له، وأنه يمكن أن يراجعها في وقت يضعف إيمانه وتميل نفسه مع العرض المغري المقدم له من ملك الغساسنة، فقد التنور وأحرقها فيه، (فسجرتُ بها التنور) كما يقول.

 

 

وهكذا ينبغي للمؤمن في الفتن التي تواجهه –وما أكثرها في عصرنا-، فلا يصح أن يقترب منها، فإنه إن قاربها قارفها، ومقاربتها خطوة الشيطان الأولى، التي قد تتبعها خطوات، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه.

 

 

إيمانك لا ينبغي أن يكون محل اختبار، تختبر نفسك أو تجربها، بل من قوة الإيمان أن تكون مقاربة الحرام بغيضة لنفسك، والصالحون الذين وقعوا في الحرام، لم يقعوا فيه حتى قاربوه أولاً، واستخفوا به، وبعدما كان شنيعاً في نفوسهم، أصبح هيناً، ووجدوا من المبررات ليجعلهم يجربون أول مرة، حتى استساغوه، بعدما كان بغيضاً.

 

 

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَنْ سَمِعَ بِالدَّجَّالِ فَلْيَنْأَ عَنْهُ، فَوَاللَّهِ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَأْتِيهِ وَهُوَ يَحْسِبُ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ فَيَتَّبِعُهُ، مِمَّا يُبْعَثُ بِهِ مِنَ الشُّبُهَاتِ) رواه أبو داود وصححه الألباني.

 

 وفي الحديث الصحيح الآخر يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ضرب الله مثلا صراطا مستقيما، وعلى جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع يقول: يا أيها الناس، ادخلوا الصراط جميعا ولا تعوجوا، وداع يدعو من فوق الصراط، فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئا من تلك الأبواب، قال: ويحك، لا تفتحه؛ فإنك إن تفتحه تلجه . فالصراط الإسلام، والسوران حدود الله، والأبواب المفتحة محارم الله، وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب الله، والداعي من فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مسلم) رواه أحمد.

 

 

اقرأ الحديث مرة أخرى، وتأمل: (فإنك إن تفتحه تلجه)، فكثير من الفتن اليوم نقول فيها: ويحك، لا تفتحها، لا تقترب منها، فإن إن فعلت ولجت في لجتها.

 

اسجر بالفتن التنور، وانْأَ عنها، ولا تفتح ستورها، وكن في موطن الأمان، وعش حياتك سعيداً، فإن القرب من المعاصي والفتن كفيل بأن يحزنك على الأقل، أو يجعلك تستسيغ المنكر، أو تقارفه.

 

وما ترى نفسك تضعف أمامه فاجعل بينك وبينه مفاوز، واحذفه من جهازك، ومن حياتك، ومن برنامجك، وتحمّل ما يصيبك من أذى البعد، فإن أذاه وإن طال يؤول إلى انشراح الصدر والطمأنينة، والسعادة بالنصر والتفوق على النفس والشيطان.



7 + 2 =