بعد المجزرة.. السلاح الفردي الأمريكي الذي لا يشجع على الإرهاب!
17 محرم 1439
أمير سعيد

"إن الوقت غير مناسب للنقاش بشأن السيطرة على فوضى انتشار السلاح في الولايات المتحدة"، هذا هو الموقف الرسمي الأمريكي الذي أكدته حرفياً المتحدثة باسم البيت الأبيض سارة ساندرز في تعليقها على مطالبات بنقاش فوضى السلاح في الولايات المتحدة في أعقاب مجزرة لاس فيغاس التي لقي 59 شخصاً حتفهم وأصيب أكثر من 500 آخرين.

 

الوقت غير مناسب لمناقشة وجود نحو قطعة سلاح واحدة في يد كل مواطن أمريكي تقريباً، تمثل أكثر من 270 مليون قطعة سلاح فردي في الولايات المتحدة، تشكل ما نسبته 35% من السلاح الفردي في العالم، وتخلف يومياً 30 قتيلاً! تتمسك الولايات المتحدة بمادة في الدستور تمنح الحق للمدنيين بامتلاك السلاح، لاعتباره "حقاً طبيعياً وهو نابع من حق الدفاع عن النفس داخل المنزل"، ومنذ الحرب الأهلية في الولايات المتحدة فإن حق امتلاك السلاح يعد الحق الأهم لحماية الحقوق الأخرى، ولم ينخرم هذا الحق أبداً برغم الفاتورة الباهظة التي يتكبدها الشعب الأمريكي، الذي شهد العام الماضي على سبيل المثال نحو 57 ألف حادثة إطلاق نار راح ضحيتها أكثر من 14 ألف شخص وجرح آلاف آخرون.

 

تتداخل في ذلك مصالح شركات كبرى تصنع السلاح الفردي حيث يستهلك الأمريكيون ما بين 35 إلى 50% من الإنتاج العالمي للسلاح الفردي بحسب تقديرات مختلفة، ويتداخل فيها الطبيعة الاجتماعية الأمريكية، والثقافة التي صاغت الشخصية الأمريكية، والتي لا تتخلى هي بذاتها عن هذا "الحق" بسهولة، حيث تعد الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة في العالم الذي تتيح للأفراد امتلاك السلاح وإشهاره علناً في كثير من ولاياتها.

 

الأمريكيون اعتبروا أنهم أحرار في ذلك، ولا ينازعهم أحد من شعوب الدنيا في ذلك المنحى العسكري، لكن أليس في ذلك ما يدعونا لكثير من التأمل في تلك المفارقة التي يحملها هذا البلد الذي يتدخل في كل أصقاع الدنيا من أجل جمع السلاح من هنا وهناك، من جهة، ومن جهة أخرى في تطويع العالم كله خلفه من أجل "مكافحة الإرهاب"، وتهيئة الأرض، لمنع استنباته، مستبيحاً في ذلك التدخل في الشؤون الداخلية للدول تعليماً وثقافة وممارسة دينية لمنع إرهاب محتمل فيما الإرهاب الحقيقي المتاح بالمجان في الولايات المتحدة مسكوت عنه؟!

 

مقتل 59 وإصابة 515 آخرين جراء إطلاق وابل لا ينقطع من النيران لعلعت بها عشرة بنادق رشاشة كانت ضمن 42 قطعة سلاح بحوزة السفاح ستيفن بادوك في الفندق الذي اتخذ غرفته لتنفيذ جريمته، لم تكن كافية لتحريك ملف فوضى السلاح في الولايات المتحدة، ولم تستفز أعضاء الكونغرس للعمل على استصدار قانون يحد من عشوائية القتل المجنون في الولايات المتحدة الأمريكية.

 

لن نفكر نيابة عن الأمريكيين بطبيعة الحال، وهم معنيون بإصلاح شؤونهم الداخلية، لكن هل من حق دولة كهذه، يمارس أفرادها الإرهاب بمنتهى الحرية، ويتورط عسكريوها المتقاعدون كثيراً في جرائم إطلاق النار العبثية، وتعزو كل عمل إرهابي أو جريمة اجتماعية فيها إلى اضطرابات نفسية لإزاحة تهمة الإرهاب عن البيض واليمين تحديداً (قالت الشرطة عن بادوك إنه كان لديه تاريخ من المشكلات النفسية). هل يحق لها أن تضع تعريفاً متفرداً للإرهاب تحاصر به الدول في العالم، وتتخذه ذريعة لتحريك جيوشها الغازية واستخباراتها النافذة في كثير من بلدان العالم؟! وهل يحق لها أن تعطي دروساً للشعوب والحكومات فيما يخص مناهجها التعليمية، وثقافاتها الخاصة، وممارساتها الدينية؛ فيما هي تعجز عن تطويق أبسط منابع الإرهاب المباشرة، السلاح الفردي، الذي يتم تداوله في الولايات المتحدة كالطعام والشراب؟!

 

إن اللون الذي يتفشى في الولايات المتحدة من الإرهاب، هو الأكثر قتامة، والأشد سواداً وظلمة؛ فهو لا يتغذى من مظالم فئوية وطائفية واضطهادات دينية، ولا يبرر جنوحه بالاستبداد، ولا يتذرع بالعمل على تحقيق أهداف سياسية يمكن تفهمها دون قبولها، إنما هو نزعة شريرة مجنونة لا مبرر لها تجد بغيتها في بيئة مواتية للتدريب العسكري والتسليح وارتكاب الجرائم، توفرها القوانين والأعراف الأمريكية "العريقة"! إن هذه الدولة هي أبعد ما تكون عن اكتساب المؤهلات اللازمة لإعطاء الدروس حول الإرهاب فيما هي تمارسه كدولة عظمى خارج الحدود، ويمارسها العديد من أبناء وطنها داخل حدودها.. إن 57 ألف حادثة إطلاق نار كل عام، يتضمن بعضها ما يمكن تصنيفه على أنه جرائم إرهابية كان يوجب على تلك الدولة أن يعتريها الخجل من هذا الحاضر الأسود البغيض فضلاً عن ماضيها برمته، لكن كيف لها أن تخجل وهي لم تتخل يوماً عن منطق الكاوبوي الذي يرسم سياستها وتقود به العالم كله؟!

 

في كلمة:
ليس غريباً أن تنشر الأهرام القاهرية تقريراً لها حول جريمة لاس فيغاس تقول فيه أن "العنف جزء من طبيعة البشر، فمن علم قابيل أن يقتل أخاه دون أن يرى دشا أو أفلام رعب أو بلطجة أو غلاء معيشة أو عقدا نفسية أو تحريضا من أصدقاء السوء أو ينضم إلى عصابة من راكبي الدراجات النارية أو يمتلك رشاشا آليا؟" أو أن تنقل عن "علماء الجريمة" قولهم إن "بعض الناس يحملون جينات غير طبيعية، وعندما يكبرون يصبحون خطرا شديدا على المجتمع لكن ليس جميعهم من مرتكبي العنف، وأيضا هناك من يعانون نشاطا مفرطا في بعض أنحاء المخ ، وهم يميلون إلى الجرائم العنيفة لكن البعض لا يفعلها"، فحين يكون الإرهابي أبيض البشرة غير مسلم؛ فدينه لا يؤثر، وعسكريته لا تحفزه، وثقافته لا تدفعه، وحينها يبرز قابيل كقاتل لم يحرضه أحد، وتظهر الجينات الوراثية، والنشاط الزائد في المخ، ولا تعمل البيئة ولا الظروف أبداً في تهيئته للإرهاب، ولو أتاحت له امتلاك رشاش آلي، وبالتالي فلا داعي للبحث عن محرضين أو بيئة أو قوانين، ولا يجوز أن يفكر أحد في تأثير رهانات القمار على نفسية السفاح إن خسر؛ فالميسر غير مسؤول أيضاً!.. ومن ذا يجرؤ على محاسبة الجينات ونشاط المخ الزائد؟!

 

11 + 5 =