حسن الظن بالله وحسن العمل
19 محرم 1439
د. عامر الهوشان

بينهما ارتباط وثيق وتلازم دائم فلا ينفع حسن الظن إلا مع حسن العمل ولا يجدي حسن العمل بدون حسن الظن بالله سبحانه .

 

حقيقة لم يدركها بعض المسلمين ولم يعمل بمقتضاها البعض الآخر لتظهر الآثار السلبية للفهم الخاطئ لحسن الظن بالله المنفصل عن حسن العمل على أرض واقع الحياة بشكل جلي في المجتمع المسلم .

 

كثيرة هي المشاهد التي يمكن ذكرها في هذا الإطار : فهذا تارك للصلاة والفرائض والواجبات الإسلامية يعول على مفهومه الخاطئ لحسن الظن بالله زاعما أن ذلك يكفيه للنجاة والفوز بمغفرة الله ودخول جنته , وآخر غارق في المعاصي والموبقات يرد على من يحذره وينذره شدة عقوبة الله إن هو مات على ما هو عليه من العصيان بأنه يعتمد على حسن ظنه بربه سبحانه وتعالى حسب زعمه......وما درى هذا وذاك أن ما يزعمان أنه حسن ظن بالله ما هو في الحقيقة إلا غرور و رجاء مذموم ونزغ من الشيطان مرذول .

 

إن معنى حسن الظن بالله على الوجه الصحيح هو أن يعتقد المؤمن بربه ومولاه ما يليق به من صفات وأسماء وما تقتضيها من آثار , فيجزم بأن الله تعالى يرحم عباده المستحقين لرحمته , ويوقن أن رحمته لهم سبقت غضبه , ويؤمن بأن الله يعفو عن التائبين المستغفرين المنيبين , ويقبل طاعة المخلصين الموحدين ويثيبهم عليها الثواب الجزيل .....

 

يستطيع أي مسلم أن يدرك بدهية العلاقة بين حسن الظن بالله وحسن العمل إذا هو تمعن في كتاب الله وسنة رسوله الخاتم صلى الله عليه وسلم , وتبدو هذه العلاقة جلية واضحة في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى : ( أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً ) صحيح البخاري برقم/7405

 

بل إن من يدقق في الآيات التي تناولت قصة دعوة ابراهيم عليه السلام لقومه الذين كانوا يعبدون الأصنام من دون الله { إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ * أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ * فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ } الصافات 85-87 ... يدرك أن حسن الظن بالله هو في الحقيقة حسن العمل , وأن سوء العمل لا يمكن أن يجتمع مع حسن الظن بالله أبدا .

 

جاء في تفسير ابن كثير لهذه الآية : قال قتادة : يعني ما ظنكم به – سبحانه - أنه فاعل بكم إذا لاقيتموه وقد عبدتم غيره ؟! وقال السعدي : وهذا ترهيب لهم بالجزاء بالعقاب على الإقامة على شركهم .

 

لقد بيّن ابن القيم رحمه الله معنى حسن الظن بالله وأكد على التلازم بين حسن الظن بالله وحسن العمل بقوله : ولا ريب أن حسن الظن بالله إنما يكون مع الإحسان فإن المحسن حسن الظن بربه أنه يجازيه على إحسانه ولا يخلف وعده ويقبل توبته , وأما المسيء المصر على الكبائر والظلم والمخالفات فإن وحشة المعاصي والظلم والحرام تمنعه من حسن الظن بربه ، وهذا موجود في الشاهد فإن العبد الآبق المسيء الخارج عن طاعة سيده لا يحسن الظن به، ولا يجامع وحشة الإساءة إحسان الظن أبداً، فإن المسيء مستوحش بقدر إساءته، وأحسن الناس ظناً بربه أطوعهم له .

 

كما أظهر ابن القيم رحمه الله الفرق بين حسن الظن الله والغرور بقوله : وقد تبين الفرق بين حسن الظن والغرور ، وأن حسن الظن إن حمَل على العمل وحث عليه وساعده وساق إليه : فهو صحيح ، وإن دعا إلى البطالة والانهماك في المعاصي : فهو غرور ، وحسن الظن هو الرجاء ، فمن كان رجاؤه جاذباً له على الطاعة زاجراً له عن المعصية : فهو رجاء صحيح ، ومن كانت بطالته رجاء ورجاؤه بطالة وتفريطاً : فهو المغرور . الجواب الكافي ص24

 

إن محاولة البعض تبرير فهمهم الخاطئ لحسن الظن بالله سبحانه بالتمسك بسعة مغفرة الله ورحمته التي وسعت كل شيء وسبقت غضبه , والتعلق بأنه سبحانه لا تنفعه العقوبة ولا تضره المغفرة ..... ليس بشيء , فمع الجزم بكل تلك الصفات لله سبحانه إلا أنه سبحانه موصوف أيضا بشدة العقاب والحكمة والعدل , كما أنه لا يضع صفة من صفاته - كالرحمة مثلا - في غير محلها , و لو نفع التعويل على تلك الصفات بدعوى حسن الظن بالله دون عمل صالح – أو ربما بمعصية -  لاستوى جزاء الطائع والعاصي والمؤمن والفاسق والمسلم والكافر غدا يوم القيامة وهو ما لا يليق بعدل الله وحكمته سبحانه .

 

ليس الفهم الخاطئ لهذه العبادة القلبية الجليلة "حسن الظن" بفصلها عن حسن العمل حديثة أو جديدة بل هي قديمة قدم عداوة الشيطان لبني آدم , فها هو الحسن البصري رحمه الله يتحدث عن هذا العلة بقوله : "إن قوماً ألهتهم الأماني حتى خرجوا من الدنيا وما لهم من حسنة يقول أحدهم : "إني أُحسن الظن بربي". وكذب... ولو أحسن الظن لأحسن العمل"

 

ويقول أيضا رحمه الله : " إن المؤمن أحسنَ الظنّ بربّه فأحسن العملَ ، وإنّ الفاجر أساءَ الظنّ بربّه فأساءَ العمل" .

بارك الله بك أخي د عامر هذا بريدي fadi1973nahhas@gmail.com
4 + 6 =
وليد قاسم
د. عامر الهوشان
د. خالد رُوشه
د. خالد رُوشه