الفتاوى "الشاذة".. و"المثلية الجنسية"!
22 محرم 1439
أمير سعيد

لا جرم أن ثمة أثراً سلبياً متزايداً للفتاوى الغريبة عن الفقه الإسلامي الأصيل، والتي لا تستند في معظمها إلى دليل أو أصل، ويطلقها أصحاب البضاعة القليلة في الفقه وأصوله. يزداد هذا الأثر فداحة حين يتلقفها أصحاب النوايا الخبيثة، أملاً في إحداث فرقعات إعلامية بهدف جذب الجمهور أحياناً، وأحياناً أخرى بغرض زعزعة الثقة في علماء الدين والفقه عموماً، وهز الثقة في المراجع والمجامع الفقهية والمؤسسات المعنية بإصدار الفتاوى.

 

يحصل هذا في كثير من بلدان العالم الإسلامي، حين يجد مغرضون من فتاوى غريبة مادة ثرية لتحقيق مآربهم في تعميم هذا اللون من الفتاوى على مجمل الحالة الفقهية والشرعية في تلك البلدان، وقد ثار الجدل مؤخراً حول بعض هذا النوع من الفتاوى في مصر مؤخراً، وكثيراً ما يثور بين فترة وأخرى، ما جعله يغدو ظاهرة متكررة مألوفة في الوسط الإعلامي المصري.

 

وإلفه هذا، يخرجه عن سياق ما يستفز القلم للكتابة حوله، إنما اللافت للنظر هذه المرة هو هذا التزامن بين صدور بعض هذه الفتاوى، واستعلان بعض الشاذين جنسياً بسلوكهم لحد رفع علم الشذوذ الجنسي في سماء قاهرة الأزهر. التزامن لم يكن هو المشكلة بطبيعة الحال، لكن ملاحظة نزوع أبواق إعلامية على دمغ الفتاوى الغريبة تلك بـ"الشذوذ"، وتجنب وصف هذا السلوك الأخلاقي المشين والمحرم بـ"الشذوذ الجنسي"، هو مما يدعو للقلق الشديد.

 

لا غضاضة مطلقاً في وصف تلك الفتاوى الغريبة الخالية من الأدلة والقواعد بـ"الفتاوى الشاذة" لخروجها عن الأصل، فهي بالفعل كذلك، لكن حينما نجد إحجاماً في المقابل عن وصف "الشذوذ الجنسي" بالشذوذ، مع أنه في الحس الاجتماعي يبدو مصطلح الشذوذ ملازماً لهذه الكبيرة حتى لا يحتاج أحياناً إلى ذكر بقية المصطلح (الجنسي)؛ فإن الريبة لابد أن تتملكنا من هذه الازدواجية في تقويم الأمور من منطلق يتعلق بـ"الحريات"؛ فالذين حرصوا على حرف فتوى مفتي مصر، والتي قال فيها "الله عز وجل حرم الشذوذ الجنسي تحريماً قطعياً؛ لما يترتب عليه من المفاسد الكبيرة، وأُوصى من كان عنده ميل إلى هذه الفعلة الشنيعة أن يبحث عن الطبيب المختص ويحاول أن يعالج من هذا الداء القبيح"، عن سياقها، فوضعوا عنواناً لفتواه لا يتضمن التحريم بل الحث على العلاج! للتأكيد على أن الشذوذ الجنسي هو حالة لا تعدو أن تكون مرضية تحتاج إلى علاج لا عقوبة، على غير ما استقر في الشريعة الإسلامية، وعلى غير ما قصده مفتي مصر، وهي محطة يلجأ إليها التغريبيون للوصول إلى اعتبارها "حقاً عاماً وحرية شخصية"؛ فانتزعوا الفتوى من سياقها وحولوها بالاتجاه المنحرف الذي يريدون، هم لا يعبثون في الحقيقة بل يمارسون تزييفاً وازدواجية مقصودة تريد أن تقصر مفهوم الشذوذ على ما يتعلق بالانحراف في الفتوى فيما يبعدونه عن أصل الشذوذ وجوهره في المخيال الأخلاقي الجمعي للمجتمع.

 

شذوذ الفتاوى مذموم، لكن الانحراف الأخلاقي والشذوذ الجنسي أشد مذمة وانحطاطاً مريعاً، وحين يطلق على الأول "شذوذ"، والثاني "مثلية"، ككلمة تخفف كثيراً من ثقل تلك الكبيرة الشنعاء، وتحيلها باتجاه التوصيف الاجتماعي واللغوي الاعتيادي الطبيعي؛ فإن وراء هذا أغراض حقيرة تخلو من أي مبدأ أو قيمة، وتعني أن ثمة استقصاداً للفتاوى شاذها وطبيعها، وتساهلاً مع الانحراف الأخلاقي الحقير.

 

فإذا كان هؤلاء يتيحون الشذوذ الجنسي باعتباره حقاً وحرية شخصية من منطلق إيمانهم المزعوم بالحرية؛ فما بالهم لا يقيسون بالميزان نفسه؛ فيقبلون بفتاوى غريبة لاعتبارها مجرد "تعبير عن الرأي يقوم به رجال دين"! إن اختلال هذا الميزان يعني ببساطة أن غضب أصحاب تلك الأصوات والمنابر الإعلامية – بخلاف المخلصين المشفقين على الفقه والشريعة وسمعة المسلمين وعلمائهم ممن ينتقدون الفتاوى بإخلاص وحرص على الدين وسمعته - من هذه الفتاوى ليس حرصاً على الشريعة والفقه، وإنما رغبة في أن يختفي جنس الفتاوى نفسه، صالحه وطالحه، وتساهلهم في المقابل مع الانحراف الخلقية وتخفيفه أثره باعتباره مرضاً أو مجرد "مثلية"؛ فإن جريمتهم تصبح أكثر وضوحاً واتساقاً مع ازدواجيتهم التي لا تراعي ديناً أو حتى تزن الحريات بنظرهم بميزان واحد!

 



4 + 0 =