تركيا ضحية حساباتها الخاطئة
3 صفر 1439
منذر الأسعد

اكتشفت تركيا –متأخرةً!!- أن مواقف ترمب نحوها لا تختلف عن سَلَفه أوباما إلا ببعض الكلام المعسول، فالدعم الهائل لملاحدة أوجلان في سوريا مستمر بل متصاعد نوعاً وحجماً؛ فازداد انعطاف أنقرا نحو روسيا، وأبرمت صفقة لشراء صواريخ إس 400 المضادة للطيران والصواريخ وهي منظومة متقدمة، وتركيا أول بلد يحصل عليها.

 

إلا أن بوتن أخذ ينافس ترمب في مغازلة طواويس الكرد، ويتبنى طروحات تمزيقية علنية لسوريا.. فما الذي حصل الأتراك عليه من هذه الخيارات؟

 

الشعوب السورية

تتلخص إستراتيجية تركيا ومصالحها العليا في الإقليم، بالإبقاء على الوحدة الجغرافية لكل من سوريا والعراق، لأن تفكيك أي من البلدين ينطوي على خطر مخيف يتمثل في إقامة كيانات كردية انفصالية مارقة جنوب تركيا، وهذا يهدد أمنها القومي في العمق.

 

من هنا، يتجلى حجم الصدمة التي تسببها لأردوغان تصريحات بوتن الأخيرة، عن ضرورة الحوار بين ما سماه " الشعوب السورية" ، وإعرابه عن مخاوفه المزعومة من أن تؤدي مناطق خفض التصعيد إلى تقسيم سوريا!!

 

في ضوء السيطرة العسكرية الروسية على سوريا بعامة، تبدو تصريحات بوتن كنوع من الرؤية الفعلية لروسيا المحتلة، فما يهمها هو "سوريا المفيدة" أو أكثر مساحاتها،لأن واشنطن قررت منح عملائها الشيوعيين الكرد ثلث مساحة البلد، وفيه معظم موارد النفط والماء.

 

في المقابل، يرضى الكرملين بما تخصصه أمريكا، ولذلك ارتاحوا في العراق لأن العم سام استأثر بالحصة الكبرى من النفط، وترك للروس بقايا هذه الثروة في إقليم كردستان بعد قصقصة أجنحته على يد قاسم سليماني بضوء أخضر أمريكي.

 

وهذا ليس استنتاجاً، ففي ذروة المواجهة بين بغداد وأربيل، أعلن بوتن في الرابع من شهر أكتوبر/تشرين الأول الجاري أن إن موسكو تعارض مقاطعة الشركات النفطية في إقليم كردستان العراق بسبب الاستفتاء الأخير على الانفصال من العراق.

 

وقال الرئيس الروسي في كلمة له أمام مؤتمر للطاقة في العاصمة الروسية: إن روسيا حريصة على عدم التدخل في الشؤون الداخلية للعراق أو الإقليم، وإنها تستخدم "لغة حذرة" حتى لا تساهم في إشعال الموقف في المنطقة.
وأضاف بوتن إنه ليس من مصلحة أي بلد أن يقطع الإقليم، الذي يتمتع بالحكم الذاتي، صادرته النفطية.

 

مسرحيات الخلاف مع طهران

وهي مسرحيات من درجتين، فالصنف الأمريكي منها يقوم على خطاب صاخب، يُخَيَّل لمن ينخدع به، أن الصواريخ الترمبية ستدمر إيران خلال بضع ساعات مقبلة.. والصنف الروسي يعتمد على بث تسريبات لا تقل تضليلاً عن الصنف الأمريكي، فهي تهمس كل مدة بأن هناك خلافات بين موسكو وطهران على تقاسم سوريا المسروقة..

 

وأما الذي يتولى مهمة الإخراج للصنفين معاً فهو أبو الإرهاب العنصري بنيامين نتنياهو.. فهو يهوِّل من عدائه المزعوم للوجود العسكري الإيراني،بينما جرى تعزيز هذا الحضور خلال السنوات الماضية، على مرأى من طائرات الاستطلاع الصهيونية التي تجوب الأجواء السورية على مدار اليوم، وتحت بصر الطائرات الحربية "الإسرائيلية" التي تتعامى عن كل المشهد، باستثناء محاولات نقل أسلحة معينة إلى لبنان فقط!!

 

وبالرغم من تفرد تل أبيب بتأييد "انفصال" كردستان العراق علانيةً، ورفع أكراد للعلَم الصهيوني، فإن نتنياهو خذل الذين انخدعوا بمواقفه اللفظية الزائفة..

 

وهذا ما فات صانع القرار التركي مثلما فاتته سائر عناصر المشهد المعقد/ البسيط!
وربما كان هذا البؤس في معرفة الخبايا وراء تعليق مؤلم أطلقه مفكر عراقي يحب تركيا، وكان من المراهنين على دورها في وقف المؤامرة الأممية عليها وعلى أهل السنة في جوارها..

 

قال بحرقة: ربما يظن الأتراك ورجب طيب وبن يلدرم أن الأمور تجري لصالحهم بعد تحجيم الأكراد ومنع استقلالهم.. لكن الحقيقة أن الأتراك الخاسر الأكبر في مجمل المعادلة.

 

إيران ضمنت الآن خطا مفتوحا تجاه سوريا، وبذلك ستتمكن إيران من عزل تركيا تماما عن العالم العربي.
إيران تملك من أدوات التأثير في الداخل التركي عن طريق العلويين والبيكاكا أكثر بما لا يقاس من إمكانية البرزاني حتى لو فكّر بالتأثير على التركمان.

 

لقد كان بإمكان تركيا أن تبقي على كيان كردي محدود الإمكانات يَـحُول بينها وبين الأخطبوط الإيراني الذي بدأ يتمدد بالفعل حول خاصرتها.

 

أما العرب الذين فرحوا بعودة كركوك لهم.. فلا أدري إن كانوا مقتنعين فعلاً.. فالواقع أنها انضمت إلى قائمة المحافظات التي تحتلها إيران.

 

لقد احتلها الفرس بدلا من أن تكون محررة تحت الكورد!
أظن أنه نفس الكلام الذي قلناه من قبل.
ينبغي للمرء قبل أن يعمل كثيرا أن يعمل صحيحا!!

 

بداية الغلط

قلتُ أكثر من مرة: إن حسابات أردوغان الخاطئة في صيف سنة 2013 م، كانت الفرصة الذهبية التي فوَّتت تركيا استثمارها بحزم، ولذلك ما زالت تسدد خسائرها الباهظة حتى اليوم.



8 + 12 =