8 صفر 1439

السؤال

عندي وسواس قهري ، ساعدوني كيف اتخلص منه ؟

أجاب عنها:
د. خالد رُوشه

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد :

الابنة الكريمة :

قد وصفت ما تعانين به بمسمى الوسواس القهري ، فكيف شخصت مرضك بهذا التشخيص ؟ فربما لم يكن هكذا تشخيص ، فنحن نحتاج ابتداء إلى تشخيص لحالتك ، خصوصا وأنك لم تذكري شيئا عن أعراض معاناتك .. فارجو تشخيصا طبيا ابتداء لنبني عليه ..

 

لكنني سأكلمك كلاما عاما اصف لك فيه المرض واسوق لك رؤية الشرع والتربية له باختصار شديد ..

 

فالوسواس القهري اضطراب نفسي يشعر فيه المريض أنّ فكرة معيّنة تلازمه دائماً ولا يستطيع التخلّص منها، كالحاجة إلى تفقّد الأشياء بشكل مستمر، أو ممارسة عادات متكررة .

 

فهو فكر متسلّط يظهر بتكرار لدى الفرد ويلازمه ويستحوذ عليه ولا يستطيع مقاومته، رغم وعيه بغرابته وعدم فائدته؛ ويشعر بالقلق والتوتر إذا قاوم ما توسوس به نفسه، ويشعر بإلحاح داخلي للقيام به !

 

فهو إذن مجرد إشارات زائفة تأتى من المخ ولا تستطيع أن تتحكم فيه، والسلوك القهرى هو رد الفعل لهذه الأفكار الملحة .

 

وهناك عوامل مختلفة تسبب هذا الداء ، ولا تزال أسباب الوسواس القهري غير معروفة بالشكل الكامل ، وهناك عوامل نفسية مؤثرة نتيجة التعرض للضغوط المختلفة  .

 

حديث النبي صلى الله ليه وسلم يبين لنا أن الشيطان له دور في هذا الوسواس :

 

فعن ابن عباس رضي عنهما أن رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم " قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إن أحدنا يجد في نفسه- ‏يعرِّضُ بالشيء - لأن يكون حممة أحب من أن يتكلم به فقال : الله أكبر الله أكبر الله أكبر ، الحمد ‏لله الذي رد كيده إلى الوسوسة " رواه أحمد وأبو داود.

 

وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم :" إن للشيطان لمة بابن آدم وللملك لمة ، فأما لمة الشطيان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق ، ‏وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق ، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله فليحمد الله، ومن ‏وجد الأخرى فليتعوذ بالله من الشيطان الرجيم ثم قرأ( الشيطان يعدكم الفقر ويأمر كم بالفحشاء) " ‏رواه الترمذي .

 

وعن عثمان بن أبي العاص قال: يا رسول الله : إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي ‏وقراءتي يلبسها علي ، ‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ذاك شيطان يقال له خنزب ، فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه، ‏واتفل عن يسارك ثلاثاً. قال : ففعلت ذلك فأذهبه الله عني "رواه مسلم .‏

 

وإليك فتوى الشيخ ابن جبرين فيما يمكن ان يجده الموسوس من أفكار السوء ، يقول :

 

" ففي هذه الأحاديث وغيرها بيان أن هذه الأفكار التي قد تطرأ على الإنسان في الأمور الغيبية، أنها وسوسة من الشيطان ليوقعه في الشك والحيرة والعياذ بالله، ثم إن الإنسان إذا وقع في مثل ذلك فعليه أمور، كما أرشدنا إليها النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك: 1- الاستعاذة بالله. 2- الانتهاء عن ذلك، والانتهاء معناه قطع هذه الوسوسة. 3- أن يقول: آمَنْتُ بالله، وفي رواية: آمَنْتُ بالله ورُسُلِه.
فإذا خطرت لك وسوسة في ذات الله، أو في قِدم العالم، أو في عدم نهايته، أو في أمور البعث، واستحالة ذلك، أو في بيان الثواب والعقاب أو ما أشبه ذلك، فعليك أن تؤمن إيماناً مجملاً، فالنصوص تقول: آمنت بالله، وبما جاء عن الله، وعلى مراد الله، آمنت برسول الله وبما جاء عن رسول الله، وعلى مراد رسول الله، وما علمت منه أقول به، وماجهلت أتوقف فيه وأكل علمه إلى الله "

 

وهذه إضافة حسنة من فتوى الشيخ عبد الرحمن البراك لكيفية التعامل مع الوسواس إذ يقول :

 " فالذي أوصي به من ابتلي بهذا النوع من الوسواس أن يستعين ويستعيذ بالله وأن لا يستجيب لوسواس الشيطان، ولا يلتفت لما يلقيه في قلبه من الشك في الطهارة أو في الصلاة، بل عليه أن يتوضأ ويمضي ويصلي ولا يعيد شيئاً، ولو جاء في نفسه أنه أحدث، ولو جاء في نفسه أنه لم تصح منه تكبيرة الإحرام، أو لم يقرأ الفاتحة قراءة صحيحة فلايلتفت إلى ذلك، بل يمضي ويصبر ولو وجد في نفسه ضيقاً يدعوه إلى الإعادة والتكرار، ومتى صبر المسلم أو المسلمة وقاوم هذا الوسواس، مستعيناً بربه ملتجئاً إليه صرف الله عنه كيد الشيطان وعافاه من شره، وما ذكرت في السؤال أن الأمر وصل إلى الاعتقاد، فاعلم أنه لا يضر الإنسان ما يجده في نفسه من أفكار ووساوس باطلة هو يبغضها ويكرهها، وما دام أنه على ذلك فإنها لا تضره، بل إن كراهته وبغضه لهذه الوساوس يدل على صحة إيمانه وقوة إيمانه"

 

وانصحك في النهاية بثلاث نصائح اساسية اتفق عليها العلماء :

 

الأولى : مجاهدة النفس لإيقاف التكرار في الأفعال بإشغالها باشياء أخرى

 

الثانية : البناء على اليقين كما علمنا النبي صلى الله عليه وسلم تجاه من خيل إليه انتقاض وضوئه، فنصحه ألا يخرج من المسجد إلا أن يسمع صوتا أو يجد ريحا .

 

الثالثة : حاول التفريق بين الفكرة الوسواسية وغيرها ، ومن ثم استعد لمجاهدتها

 

وفقك الله وشفاك وعافاك ..



عبدالعزيز بن عبد الله آل الشيخ
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
د. صالح بن فوزان الفوزان
صالح بن علي بن غصون رحمه الله