تسريبات " الفردوس" و"محيطات" الفساد
23 صفر 1439
منذر الأسعد

هي فضيحة دولية تشبه "تسونامي"،لضخامة محتوياتها، وامتداد البلدان التي تمسها، ومواقع الشخصيات- السياسية والمالية- التي نامت مستورة،لتصبح أسرارها في العراء!!

فقد نجح الإعلام الاستقصائي في تسديد صفعة جديدة لملاذات الأموال السرية، في فضيحة أُطلق عليها اسم: أوراق الفردوس، نشر الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين (ICIJ) مع شركاء إعلاميين، تفاصيل تحقيقات في وثائق باتت تُعرف بـ"أوراق بارادايز" (وثائق بارادايز، أوراق الجنة)، وشملت معلومات ضخمة عن ملاذات ضريبيّة.

بلغ عدد الوثائق المسرّبة 13.4 مليون وثيقة، وحجمها 1.4 تيرا بايت، وتشمل رسائل البريد الإلكتروني، واتفاقيات القروض والبيانات المصرفية لما لا يقل عن 25 ألف شركة والتي تتبع لأشخاص في 180 بلداً.

 أي أنّها التسريب الثاني الأكبر بعد وثائق بنما التي بلغ حجمها 2.6 تيرا بايت ( نُشرت وثائق بنما  بتاريخ 3 أبريل 2016 ).

شارك في التحقيق الحالي 94 شريكاً إعلامياً حول العالم، وأكثر من 300 صحافي، لكشف أكثر من 120 اسماً سياسياً أو زعيماً عالمياً متورّطين بالتهرب الضريبي.

 

الحيتان الكبرى
شملت القائمة الملكة إليزابيث الثانية ملكة بريطانيا، ووزير التجارة الأمريكي ويلبر روس الذي نجح  في تجنيب دونالد ترمب الإفلاس في تسعينيات القرن الميلادي الماضي، فكافأه ترمب بعد فوزه بانتخابات الرئاسة الأمريكية بتعينه وزيراً للتجارة.

وكشفت  التسريبات أن روس احتفظ بأسهم في شركة شحن تكسب ملايين الدولارات سنويا لنقل النفط والغاز وتتعامل مع شركة طاقة روسية تضم قائمة مالكي الأسهم فيها صهر فلاديمير بوتين بالإضافة لشخصين آخرين يخضعان لعقوبات أمريكية.

وفضحت الأوراق المسربة  علاقة كانت خفية، بين الديكتاتور الليبي الراحل معمر القذافي وعائلة الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، فضلاً عن تعرية رامي مخلوف –ابن خال بشار الأسد- وإسقاط مزاعمه في بدايات الثورة السورية، بـ"تربعه" بثرواته المنهوبة لأعمال "خيرية" وتخليه عن نشاطاته !!

ومن ضحايا بواكير تسريبات  " الفردوس":
* أحد كبار مساعدي رئيس الوزراء الكندي جاستين ترودو مرتبط بمعاملات خارجية قد تُكلف البلاد ملايين الدولارات من الضرائب، وهو أمر محرج لترودو الذي تعهد في حملته الانتخابية بإغلاق الملاذات الضريبية.

* اللورد أشكروفت، النائب السابق لرئيس حزب المحافظين تجاهل قوانين تخص كيفية إدارة استثماراته ما وراء البحار.

وتظهر "أوراق الجنة" أن ملكة بريطانيا تستثمر  10 مليون جنيه استرليني من مالها الملكة في تلك المهارب الضريبية،ومثار الاستغراب  أن هذه الاستثمارات لا تنتهك القانون،ولا يوجد أي دليل على أن غايتها التهرب الضريبي. وبقي  السؤال: هل ينبغي للملكة الاستثمار خارج البلاد؟

سرقات الأغنياء للفقراء

على مدى ثلاثة عقود، كانت الشركات الأميركية متعددة الجنسيات تزداد جرأةً، وتحول أجزاء ضخمة من الأرباح إلى الملاذات الضريبية. وتم تجاهل الشواغل حول تكتيكاتها إلى حد كبير، حتى تعرضت المالية الحكومية في كل أنحاء العالم لضغوط، في أعقاب الأزمة المالية عام 2008. وبدءاً من خريف عام 2012، جاءت هذه القضية في مقدمة التحقيقات الحكومية، ومداهمات المفتشين الضريبيين، والصحافة الاستقصائية، ووعود الإصلاح.

وبحلول الوقت الذي أصدرت فيه اللجنة الفرعية للتحقيقات في مجلس الشيوخ الأميركي 142 صفحةً من الوثائق والتحليلات حول الجلسة العلنية بشأن تجنب  عملاق التقنية "آبل" للضرائب في أيار / مايو) 2013، كان العالم يولي اهتماماً بالموضوع. ووجدت اللجنة الفرعية أن "آبل" كانت تعزو مليارات الدولارات من الأرباح سنوياً لثلاث شركات إيرلندية تابعة لم تعلن "الإقامة الضريبة" في أي مكان في العالم.

 

وقال السناتور كارل ليفين (ديمقراطي من ميشيغان)، وهو رئيس اللجنة الفرعية في مجلس الشيوخ، خلال جلسة الاستماع عام 2013: "سعت آبل إلى الكأس "المقدسة" لتجنب الضرائب: فالشركات الخارجية التي تجادل بأنها ليست لأغراض الضرائب، غير مقيمة في أي مكان في أي دولة".

 

وفي ذلك الوقت، كانت "آبل" راكمت 111 مليار دولار نقداً، احتفظت بها كلها تقريباً شركات الظل الإيرلندية، بعيداً عن متناول السلطات الضريبية في الولايات المتحدة..

 

وتكشف الوثائق المسربة  أن الأصول الثمينة، بما في ذلك الحق في علامة "سووش" التجارية لـ"نايكي"، وتطبيق "أوبر" لاستدعاء سيارات الأجرة، وبراءات الاختراع الطبية التي تغطي كل شيء من البوتوكس إلى زراعة الثدي، يمكن تتبعها كلها إلى مبنى تجاري من خمسة طوابق في برمودا تحتله "آبلبي" و"إستيرا".

 

وتُظهر الوثائق أن العديد من الشركات الأميركية الكبرى، متعددة الجنسيات، تدفع في الواقع معدلات ضريبية منخفضة جداً، ويعود ذلك جزئياً إلى الهياكل المؤسسية المعقدة، التي أنشأتها بمساعدة شبكة عالمية من نخبة من المستشارين الضريبيين.

فالشركات المتعددة الجنسيات، التي تجمع الأصول في الملاذات الضريبية، وتنفذ استراتيجيات تجنب عدوانيةً أخرى، تكلف الحكومات في كل أنحاء العالم ما يصل إلى 240 مليار دولار سنوياً من الإيرادات الضريبية المفقودة، وفقاً لتقدير متحفظ أصدرته عام 2015 منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي.

 

جدل الأخلاق والقوانين
تقول مجموعة بوسطن الاستشارية إن حوالي 10 تريليونات دولار تتسلل وتتخفى في أنشطة مالية وراء البحار ، وهو رقم يعادل الناتج المحلي الإجمالي للمملكة المتحدة واليابان وفرنسا  مجتمعةً.

ويقول منتقدو هذه الأنشطة إن الأمر تشوبه سرية مريبة، تفتح الباب على عمليات منهجية لاختراق القانون وغياب  المساواة بين الأثرياء والفقراء، وعندما يتعلق الأمر بعمل الحكومات للحد من هذه الأنشطة تكون خطواتها بطيئة وغير فعالة.

ويقول الخبراء: عندما يتجنب الأغنياء الضرائب، يدفع الفقراء الثمن حيث: "تلجأ الحكومات إلى استرداد ما تخسره من الأغنياء ومن الشركات عن طريق إخراجها من جلد الفقراء".

لكن هذه الملاذات الضريبية تدافع عن نفسها  بأنه لولاها، لما كان هناك سقف للضرائب التي قد تفرضها الحكومات، كما يؤكد المشرفون على هذه المراكز أنهم لا يجلسون على أحواض نقدية، بل يعملون للمساعدة على ضخ الأموال في جميع أنحاء العالم.

وقال بوب ريتشاردز، الذي كان وزير المالية في برمودا عندما قابله برنامج بانوراما،في بي بي سي:إن "جمع ضرائب الدول الأخرى ليس من مهماته، وعلى هذه الدول متابعة هذه الأمور بنفسها".

كما أن هوارد كوايل- رئيس وزراء جزيرة مان- أنكر أن تكون هذه الجزيرة ملاذا ضريبيا لأن المعاملات المالية فيها تتم طبقا لقواعد الإبلاغ المالي الدولي.
وكانت شركة آبلبي المشتركة بقوة في هذه النشاطات قد زعمت أن المكاتب الخارجية "تحمي الناس ضحايا الجريمة أو الفساد أو الاضطهاد من خلال حفظ أموالهم".

 



4 + 3 =